هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 365 من 908
صفحة
[صفحة 365]
يراهم، فقالوا: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس؟فقال لقمان: إن أمرني الله بذلك فالسمع و الطاعة، لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه و علمني و عصمني، و إن هو خيرني قبلت العافية.
فقالت الملائكة: يا لقمان، لم قلت ذلك؟قال: لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين، و أكثرها فتنا و بلاء، و يخذل و لا يعان، و يغشاه الظلم من كل مكان، و صاحبه فيه بين أمرين: إن أصاب فيه الحق فبالحري (1) أن يسلم، و إن أخطأ أخطأ طريق الجنة، و من يكن في الدنيا ذليلا و ضعيفا، و كان أهون عليه في المعاد من أن يكون فيه حكيما (2) سريا شريفا، و من اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما، تزول هذه و لا يدرك تلك-قال-فتعجبت الملائكة من حكمته، و استحسن الرحمن منطقه.
فلما أمسى و أخذ مضجعه من الليل، أنزل الله عليه الحكمة، فغشاه بها من قرنه إلى قدمه و هو نائم، و غطاه بالحكمة غطاء، فاستيقظ و هو أحكم الناس في زمانه، و خرج على الناس ينطق بالحكمة و يبثها (3) فيها-قال-فلما اوتي الحكم، و لم يقبله، أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة، فقبلها و لم يشترط فيها بشرط لقمان، فأعطاه الله الخلافة في الأرض و ابتلي فيها غير مرة، كل ذلك يهوي في الخطأ و يقيله الله و يغفره له.
و كان لقمان يكثر زيارة داود (عليه السلام) ، و يعظه بمواعظه و حكمته و فضل علمه، و كان داود يقول له: طوبى لك-يا لقمان-أوتيت الحكمة، و صرفت عنك البلية، و اعطي داود الخلافة، و ابتلي بالحكم و الفتنة» .
قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ إِذْ قََالَ لُقْمََانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يََا بُنَيَّ لاََ تُشْرِكْ بِاللََّهِ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .
قال: «فوعظ لقمان ابنه بآثار حتى تفطر و انشق (4) ، فكان فيما وعظه به-يا حماد-أن قال له: يا بني، إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها و استقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد.
يا بني، جالس العلماء و زاحمهم بركبتيك، و لا تجادلهم فيمنعوك، و خذ من الدنيا بلاغا، و لا ترفضها فتكون عيالا على الناس، و لا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك، و صم صوما يقطع شهوتك، و لا تصم صوما يمنعك عن الصلاة، فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام.
يا بني، إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان، و اجعل شراعها التوكل، و اجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، و إن هلكت فبذنوبك.
يا بني، إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، و من عني بالأدب اهتم به، و من اهتم به تكلف علمه، و من تكلف علمه اشتد طلبه، و من اشتد طلبه أدرك منفعته، فاتخذه عادة، فإنك تخلف في سلفك، و ينتفع به من خلفك، و يرتجيك فيه راغب، و يخشى صولتك راهب، و إياك و الكسل عنه بالطلب لغيره، فإن غلبت على الدنيا
____________
(1) الحريّ: الجدير و الخليق. «النهاية 1: 375» .
(2) في المصدر: حكما.
(3) في المصدر: و يثبتها.
(4) قال المجلسي (رحمه اللّه) : قوله: «حتّى تفطّر و انشقّ» كناية عن غاية تأثير الحكمة فيه، البحار 13: 413.