البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 411 من 908

صفحة
[صفحة 411]

تجارة لها، فرأى زيدا يباع، و رآه غلاما كيسا حصيفا (1) ، فاشتراه، فلما نبئ رسول الله (صلى الله عليه و آله) دعاه إلى الإسلام فأسلم، و كان يدعى زيد مولى محمد (صلى الله عليه و آله) .


فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة، و كان رجلا جليلا، فأتى أبا طالب، فقال: يا أبا طالب، إن ابني وقع عليه السبي، و بلغني أنه صار إلى ابن أخيك، فاسأله، إما أن يبيعه، و إما أن يفاديه، و إما أن يعتقه. فكلم أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : هو حر، فليذهب حيث شاء. فقام حارثة فأخذ بيد زيد، فقال له: يا بني، الحق بشرفك و حسبك. فقال زيد: لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبدا.


فقال له أبوه: فتدع حسبك و نسبك، و تكون عبدا لقريش؟فقال زيد: لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما دمت حيا. فغضب أبوه، فقال: يا معشر قريش، اشهدوا أني قد برئت من زيد، و ليس هو ابني.


فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : اشهدوا أن زيدا ابني، أرثه و يرثني. و كان زيد يدعى ابن محمد، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحبه، و سماه: زيد الحب.


فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش، فأبطأ عنه يوما، فأتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) منزله يسأل عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر (2) لها، فنظر إليها، و كانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور، و تبارك الله أحسن الخالقين!ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى منزله، و وقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا، و جاء زيد إلى منزله، فأخبرته زينب بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال لها زيد: هل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله (صلى الله عليه و آله) ؟فلعلك قد وقعت في قلبه. فقالت: أخشى أن تطلقني و لا يتزوجني رسول الله (صلى الله عليه و آله) .


فجاء زيد إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال: بأبي أنت و امي-يا رسول الله-أخبرتني زينب بكذا و كذا، فهل لك أن أطلقها حتى تتزوجها؟فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : اذهب، و اتق الله، و أمسك عليك زوجك، ثم حكى الله، فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللََّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ فَلَمََّا قَضى‏ََ زَيْدٌ مِنْهََا وَطَراً زَوَّجْنََاكَهََا إلى قوله: وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً (3) فزوجه الله من فوقه عرشه، فقال المنافقون: يحرم علينا نساء أبنائنا و يتزوج امرأة ابنه زيد!فأنزل الله في هذا: وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ إلى قوله: يَهْدِي اَلسَّبِيلَ . ثم قال: اُدْعُوهُمْ لِآبََائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللََّهِ إلى قوله: وَ مَوََالِيكُمْ » .


فاعلم أن زيدا ليس ابن محمد (صلى الله عليه و آله) ، و إنما ادعاه للسبب الذي ذكرناه، و في هذا أيضا ما نكتبه في غير هذا الموضع، في قوله: مََا كََانَ مُحَمَّدٌ أَبََا أَحَدٍ مِنْ رِجََالِكُمْ وَ لََكِنْ رَسُولَ اَللََّهِ وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (4) .


____________


(1) الحصيف: الجيد الرأي المحكم العقل. «لسان العرب-حصف-9: 48» .

(2) ) الفهر: الحجر قدر ما يدق به الجوز و نحوه. «لسان العرب-فهر-5: 66» .

(3) الأحزاب 33: 37.

(4) الأحزاب 33: 40.

التالي ص 411/908 — الأصلية 411 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...