هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 444 من 924
صفحة
[صفحة 435]
وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً* `وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيََارَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهََا وَ كََانَ اَللََّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) المدينة، و اللواء معقود، أراد أن يغتسل من الغبار، فناداه جبرئيل: «عذيرك من محارب، و الله ما وضعت الملائكة لأمتها، فكيف تضع لأمتك؟إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة، فإني متقدمك، و مزلزل بهم حصنهم، إنا كنا في آثار القوم، نزجرهم زجرا، حتى بلغوا حمراء الأسد (1) » .
فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فاستقبله حارثة بن النعمان، فقال له: «ما الخبر، يا حارثة؟» . قال: بأبي أنت و امي-يا رسول الله-هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة. فقال: «ذلك جبرئيل، أدعوا لي عليا» . فجاء علي (عليه السلام) ، فقال له: «ناد في الناس: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» .
فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فنادى فيهم، فخرج الناس، فبادروا إلى بني قريظة.
و خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و أمير المؤمنين (عليه السلام) بين يديه، مع الراية العظمى، و كان حيي بن أخطب لما انهزمت قريش، جاء و دخل حصن بني قريظة، فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و أحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن أسد (2) من الحصن يشتمهم، و يشتم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على حمار، فاستقبله أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال: «بأبي أنت و امي-يا رسول الله-لا تدن من الحصن» . فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «يا علي، لعلهم شتموني؟إنهم لو قد رأوني لأذلهم الله» . ثم دنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) من حصنهم، فقال: «يا إخوة القردة و الخنازير، و عبدة الطاغوت، أ تشتموني؟!إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم» .
فأشرف عليهم كعب بن أسد من الحصن، فقال: و الله-يا أبا القاسم-ما كنت جهولا. فاستحيا رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى سقط الرداء عن ظهره حياء مما قال.
و كان حول الحصن نخل كثير، فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) بيده، فتباعد عنه، و تفرق في المفازة، و أنزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) العسكر حول حصنهم، فحاصرهم ثلاثة أيام، فلم يطلع منهم أحد رأسه، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال (3) بن شمول، فقال: يا محمد، تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير؟احقن دماءنا، و نخلي لك البلاد و ما فيها، و لا نكتمك شيئا. فقال: «لا، أو تنزلون على حكمي» . فرجع، و بقوا أياما، فبكت النساء و الصبيان إليهم، و جزعوا جزعا شديدا، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالرجال، فكتفوا، و كانوا سبع مائة (4) ، و أمر بالنساء، فعزلن.
و قامت الأوس إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقالوا: يا رسول الله، حلفاؤنا و موالينا من دون الناس، نصرونا
____________
(1) حمراء الأسد: موضّع على ثمانية أميال من المدينة. «معجم البلدان 2: 301» .