البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 686 من 924

صفحة
[صفحة 673]

ابتلاك بهذا البلاء الذي لم يبتل به أحد إلا من أمر كنت تسره، و لو كنت صادق النية في عبادته لما وقع بك البلاء العظيم. فوقع في قلوبهم أن يجتمعوا عليه و يذبحوه.


فقال أيوب: و عزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلا و يتيما أو ضعيفا يأكل معي، و ما عرض لي أمران كلاهما طاعة لله تعالى، إلا أخذت بأشدهما على بدني. أيها القوم، أراكم تغيظوني‏ (1) و توبخوني من غير معرفة، و ما كان هذا جزائي منكم، فإن الله تعالى يبتلي من يشاء زيادة في أجره، كما ابتلى سائر النبيين و الصالحين. ثم رفع طرفه إلى السماء، و قال: إلهي و سيدي، أذقني طعم العافية و لو ساعة من النهار، و لا تشمت بي الأعداء، و لا تصرف وجهك الكريم عني، فإني قد أجهدني البلاء، و قد تقطعت أوصالي، و ورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، و السفلى ذقني، و قد سقط لحم رأسي، و ما تبين أذني من نفاخ وجهي، و لقد غص من القيح و الصديد جوفي، و نخرت من الدود عظامي، و لقد ملني و جفاني من كان يكرمني فبكى بكاء شديدا.


فلما فرغوا من توبيخه، و هموا أن يقوموا، التفت إليهم شاب حدث السن، كان قد سمع كلامهم، و كان الله قد قيضه لهم، فقال الشاب: شوه لكم، عبرتم إلى نبي الله فعيرتموه، و لقد تركتم الرأي الصائب بتوبيخكم لأيوب (عليه السلام) ، و لقد كان له عليكم من الحقوق ما كان الواجب عليكم أن تقصروا عما قلتموه. ويلكم، أ تدرون من الذي و بختم، أ لم تعلموا أنه نبي الله، اختاره لرسالته، و ائتمنه على وحيه؟!فإن الله تعالى لم يطلعكم على أنه سخط عليه، و أن هذا البلاء الذي نزل به قد صغره عندكم، و لقد علمتم أن الله تعالى يبتلي النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين، و لا يكون ذلك سخطا و لا هوانا، و لو كان لم يكن نبيا لكان لا يجمل للأخ أن يعير أخاه عند البلاء، و لا يعاتبه عند المصيبة، و لا يزيده غما إلى غمه، الله الله في أنفسكم، و لو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة.


ثم أقبل على أيوب، و عزاه، و سكن ما به، و أقبل أيوب على الثلاثة، و قال لهم: «إنكم أعجبتكم أنفسكم، فلو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة، و لكن أصبحت اليوم و ليس لي رأي معكم، لأن أهلي قد ملوني و تنكرت معارفي، و هربوا عني أصدقائي، و قطعوني أصحابي، و كفر بي أهل ملتي، و إلا لم تكونوا تقولون ما تقولون. سبحان من لو يشاء لفرج عني ما أنا فيه من هذا البلاء الذي لم تقم به الجبال الرواسي.


فقال أيوب: يا رب، لو جلست مجلس الحكم منك لأدليت بحجتي. فبعث إليه غمامة سوداء مظلمة فيها رعد، و برق، و صواعق متداركات، ثم نودي منها بأكثر من عشرة آلاف صوت: يا أيوب، إن الله تعالى يقول لك:


أدلني بحجتك، فقد أقعدتك مقعد الحكم، و ها أنا قريب منك، و لم أزل قريبا دائما. فقال: يا رب، إنك تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي، ألم أحمدك، ألم أشكرك، أ لم أسبحك، و أذكرك، و اكبرك؟فنودي من الغمامة بعشرة آلاف لسان: يا أيوب، من صيرك تعبد الله و الناس عنه غافلون، و تحمده و تشكره و الناس عنه لاهون؟تمن على الله فيه؟بل المن لله تعالى عليك. فأخذ التراب، و وضعه في فيه،


____________


(1) في «ج، ي، ط» : تعظوني.

التالي ص 686/924 — الأصلية 673 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...