هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الرابع 4 · صفحة 858 من 908
صفحة
[صفحة 858]
في نفر من أصحابه، يقرأ عليهم كتاب الله، و يذكرهم عن الله أمره و نهيه، فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمد، و عظم خطبه، تعالوا نبدأ بتقريعه و تبكيته (1) و الاحتجاج عليه، و إبطال ما جاء به، ليهون خطبه على أصحابه، و يصغر قدره عندهم، فلعله أن ينزع عما هو فيه من غيه و باطله و تمرده و طغيانه، فإن انتهى و إلا عاملناه بالسيف الباتر.
قال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه و محاورته؟فقال (2) عبد الله بن أبي امية المخزومي: أنا لذلك، أ فما ترضاني قرنا حسيبا، و مجادلا كفيا؟قال أبو جهل: بلى. فأتوه بأجمعهم، فابتدأ عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمد -و ذكر ما طلبه من محمد (صلى الله عليه و آله) و ما أجابه به-فقال: و أما قولك: لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود بالطائف، فإن الله تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت، و لا خطر له عنده كما كان له عندك، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به، مخالفا له، شربة ماء، و ليس قسمة رحمة الله إليك، بل الله القاسم للرحمة (3) ، و الفاعل لما يشاء في عبيده و إمائه، و ليس هو عز و جل ممن يخاف أحدا كما تخافه لماله أو لحاله فتعرفه بالنبوة لذلك، و لا ممن يطمع في أحد في ماله و حاله كما تطمع فتخصه بالنبوة لذلك، و لا ممن يحب أحدا محبة الهوى كما تحب فتقدم من لا يستحق التقديم، و إنما معاملته بالعدل، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين و خلاله (4) ، إلا الأفضل في طاعته، و الآخذ في خدمته، و كذلك لا يؤخر في مراتب الدين و خلاله
____________
4 «5»
، إلا أشدهم تباطؤا عن طاعته، و إذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال و لا إلى حال، بل هذا المال و الحال من فضله، و ليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب.
فلا يقال له: إذا تفضلت بالمال على عبد، فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده، و لا إلزامه تفضلا، لأنه تفضل قبله بنعمة، ألا ترى-يا عبد الله-كيف أغنى واحدا و قبح صورته؟ و كيف حسن صورة واحد و أفقره؟و كيف شرف واحدا و أفقره؟و كيف أغنى واحدا و وضعه؟ثم ليس لهذا الغني أن يقول: هلا أضيف إلى يساري جمال فلان؟و لا للجميل أن يقول: هلا أضيف إلى جمالي مال فلان؟و لا للشريف أن يقول: هلا أضيف إلى شرفي مال فلان؟و لا للوضيع أن يقول: هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان؟و لكن الحكم لله يقسم كيف يشاء، و يفعل ما يشاء، و هو حكيم في أفعاله، محمود في أعماله، و ذلك قوله تعالى: وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ .
قال الله تعالى: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يا محمد نَحْنُ قَسَمْنََا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فأحوجنا بعضا إلى بعض، أحوجنا هذا إلى مال ذاك، و أحوجنا ذاك إلى سلعة هذا و إلى خدمته، فترى أجل الملوك و أغنى الأغنياء، محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب، إما سلعة معه ليست معه، و إما