هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الخامس 5 · صفحة 592 من 979
صفحة
[صفحة 551]
فأطعمي من غير من أنكد فأقبلت فاطمة (عليها السلام) و هي تقول:
لم يبق مما كان غير صاع # قد دبرت (1) كفي مع الذراع
شبلاي و الله هما جياع # يا رب لا تتركهما ضياع
أبوهما للخير ذو اصطناع # عبل (2) الذراعين طويل الباع
و ما على رأسي من قناع # إلا عبا نسجتها بصاع
و عمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه، و باتوا جياعا، و أصبحوا مفطرين و ليس عندهم شيء» .
قال شعيب في حديثه: و أقبل علي (عليه السلام) بالحسن و الحسين (عليهما السلام) نحو رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و هما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بهما قال: «يا أبا الحسن، شد ما يسؤني ما أرى بكم، انطلق إلى ابنتي فاطمة» فانطلقوا[إليها]و هي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع و غارت عيناها، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ضمها إليه، و قال: وا غوثاه، أنتم منذ ثلاث فيما أرى!فهبط جبرئيل (عليه السلام) ، فقال: يا محمد، خذها هنأ لك (3) في أهل بيتك. فقال: و ما آخذ يا جبرئيل؟قال: هَلْ أَتىََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ (4) حتى بلغ إِنَّ هََذََا كََانَ لَكُمْ جَزََاءً وَ كََانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (5) .
و قال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي (صلى الله عليه و آله) حتى دخل منزل فاطمة (عليها السلام) ، فرأى ما بهم فجمعهم، ثم انكب عليهم يبكي، و يقول: «أنتم منذ ثلاث فيما أرى و أنا غافل عنكم» . فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآيات إِنَّ اَلْأَبْرََارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كََانَ مِزََاجُهََا كََافُوراً* `عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ يُفَجِّرُونَهََا تَفْجِيراً قال: هي عين في دار النبي (صلى الله عليه و آله) تتفجر إلى دور الأنبياء و المؤمنين يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يعني عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و جاريتهم فضة وَ يَخََافُونَ يَوْماً كََانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً يقول عابسا كلوحا وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلىََ حُبِّهِ يقول: على حب شهوتهم للطعام و إيثارهم له مِسْكِيناً من مساكين المسلمين وَ يَتِيماً من يتامى المسلمين وَ أَسِيراً من أسارى المشركين، و يقولون إذا أطعموهم: إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً وَ لاََ شُكُوراً ، قال: و الله ما قالوا هذا، [لهم]و لكنهم أضمروه في أنفسهم، فأخبر الله بإضمارهم.
يقول: لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً تكافؤننا به وَ لاََ شُكُوراً تثنون علينا به، و لكنا إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ و طلب ثوابه، }قال الله تعالى ذكره: فَوَقََاهُمُ اَللََّهُ شَرَّ ذََلِكَ اَلْيَوْمِ وَ لَقََّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً في القلوب
____________
(1) أي تقرّحت و تشققت.
(2) رجل عبل الذّراعين، أي ضخمهما. «لسان العرب 11: 420» .