الشيخ الصدوق · من لا يحضره الفقيه الجزء الاول 1 · صفحة 862 من 890
صفحة
[صفحة 546]
فيه نار فاحترقت "(1) وما ذكر في الكتاب من الرياح التي يعذب بها من عصاه، والله عزوجل رياح رحمة لواقح ورياح تهيج السحاب فتسوق السحاب، ورياح تحبس السحاب بين السماء والارض، ورياح تعصره فتمطره بإذن الله، ورياح تفرق السحاب ورياح مما عد الله عزوجل في الكتاب، فأما الرياح الاربع فإنها أسماء الملائكة الشمال والجنوب والصبا والدبور، وعلى كل ريح منهم ملك موكل بها، فإذا أراد الله تبارك وتعالى أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني(2) فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله عزوجل في البر والبحر، وإذا أراد الله تبارك وتعالى أن يبعث الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله تعالى في البر والبحر، وإذا أراد الله تبارك وتعالى أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الجنوب حيث يريد الله في البر والبحر، وإذا أراد الله عزوجل أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت الدبورحيث يريد الله تعالى في البر والبحر ".(3)
____________
(1) الاعصار: ريح تثير الغبار إلى السماء كانه عمود. (الصحاح)
(2) في الكافى " الركن الشامى " وكذا في ما يأتى.
(3) قال استاذنا الشعرانى - دام ظله العالى - في ذيل شرح الكافى للمولى صالح المازندرانى: هذا الحديث من جهة الانساد، قريب من جهة الاعتبار، منبه على طريقتهم (عليهم السلام) في أمثال هذه المسائل الكونية، والمعلوم من سؤال السائل " أن الناس يقولون " أن ذهنهم متوجه إلى السبب الطبيعى الموجب لوجود الرياح ومنشأها وعلة اختلافها من البرودة والحرارة وغيرها، وغاية ما وصل اليه فكرهم أن الشمال لبرودتها من الجنة، والجنوب لحرارتها من النار، فصرف الامام (عليه السلام) ذهنهم عن التحقيق لهذا الغرض اذ ليس المقصود من بعث الانبياء والرسل وانزال الكتب كشف الامور الطبيعية، ولو كان المقصود ذلك لبين ما يحتاج اليه الناس من أدوية الامراض كالسل والسرطان وخواص المركبات والمواليد، ولذكر في القرآن مكررا علة الكسوف والخسوف كما تكرر ذكر الزكاة والصلاة وتوحيد الله تعالى ورسالة الرسل، ولو رد ذكر الحوت في الروايات متواترا كما ورد ذكر الامامة والولاية والمعاد والجنة، وكذلك ما يستقر عليه الارض وما خلق منه الماء، مع أنا لا نرى من أمثال ذلك شيئا في الكتاب والسنة المتواترة الا بعض أحاديث ضعيفة غير معتبرة أو بوجه يحتمل التحريف والسهو، والمعهود في كل ما هو مهم في الشرع ويجب على الناس معرفته أن يصر الامام أو النبى (عليهما السلام) على تثبيته وتسجيله وبيانه بطرق عديدة غير محتملة للتأويل حتى لا يغفل عنه أحد.
وبالجملة لما رأى الامام (عليه السلام) اعتناء الناس بالجهة الطبيعية صرفهم بان الواجب على الناظر في أمر الرياح والمتفكر فيها أن يعتنى بالجهة الالهية وكيفية الاعتبار بها واتعاظ بما يترتب عليها من الخير والشر، سواء كانت من الجنة أو من الشام أو من افريقية واليمن، فأول ما يجب: أن يعترف بأن جميع العوامل الطبيعية مسخرة بأمر الله تعالى، وعلى كل شئ ملك موكل به وان الجسم الملكى تحت سيطرة المجرد الملكوتى المفارق عن الماديات كما ثبت في محله " أن المادة قائمة بالصورة والصورة قائمة بالعقل الفارق " وهذا أهم ما يدل عليه هذا الحديث الذى يلوح عليه أثر الصدق وصحة النسبة إلى المعصوم، ثم بعد هذا الاعتراف يجب الاعتبار بما وقع من العذاب على الامم السالفة بهذه الرياح وما يترتب من المنافع على جريانها وهذا هو الواجب على المسلم من جهة الدين إذا نظر إلى الامور الطبيعية.