من لا يحضره الفقيه

الشيخ الصدوق · من لا يحضره الفقيه الجزء الثالث 3 · صفحة 164 من 1166

صفحة
[صفحة 446]
وفى الكافى روايات تدل على عظمته وجلالته وكمال ايمانه وعقله ودرايته ورئاسته في قومه ففي المجلد الاول منه ص 446 في الصحيح عن زرارة عن أبى عبدالله (عليه السلام) قال " يحشر عبدالمطلب يوم القيامة أمة وحده، عليه سيماء الانبياء وهيبة الملوك " يعنى إذا حشر الناس فوجا فوجا يحشر هو وحده، لانه كان في زمانه منفردا بدين الحق من بين قومه كما قاله العلامة المجلسى - (رحمه الله) وفى حديث آخر رواه الكلينى أيضا مسندا عن الصادق (ع) قال: " يبعث عبدالمطلب أمة وحده عليه بهاء الملوك، وسيماء الانبياء، وذلك أنه أول من قال بالبداء " وفى الحسن كالصحيح عن رفاعة عن أبى عبدالله (ع) قال: " كان عبدالمطلب يفرش له بفناء الكعبة، لا يفرش لاحد غيره، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه "، إلى أمثالها الكثير الطيب كلها تدل كمال ايمانه وعقله وحصافة رأيه وان أردت أن تحيط بذلك خبرا فانظر إلى تاريخ اليعقوبى المتوفى في أواخر القرن الثالث ما ذكر من سننه التى سنها وجاءت بها الاسلام مت تحريمه الخمر، والزنا ووضع الحد عليه، وقطع يد السارق، ونفى ذوات الرايات، ونهيه عن قتل المؤودة، ونكاح المحارم، واتيان البيوت من ظهورها، وطواف البيت عريانا، و حكمه بوجوب الوفاء بالنذر وتعظيم الاشهر الحرم، وبالمباهلة، بمائة ابل في الدية ثم تأمل كيفية سلوكه مع أبرهة صاحب الفيل في تلك الغائلة المهلكة المهدمة كيف حفظ بحسن تدبيره وسديد رأيه قومه ودماءهم وأموالهم من الدمار والبوار دون أى مؤونة وقال: أنا رب الابل ولهذا البيت رب يمنعه، مع أن الواقعة موحشة بحيث تضطرب في أمثالها قلوب أكثر السائسين، فاذا كان الامر كذلك فكيف يصح أن يقال: انه نذر أن يذبح سليله وثمرة مهجته وقرة عينه قربة إلى الله سبحانه، وأنى يتقرب بفعل منهى عنه في جميع الشرايع والقتل من أشنع الامور وأقبحها، والعقل مستقل بقبحه بل يعده من أعظم الجنايات، مضافا إلى كل ذلك أن النذر بذبح الولد قربانا للمعبود من سنن الوثنيين والصابئين وقد ذكره الله تعالى في جملة ما شنع به على المشركين وقال في كتابه العزيز بعد نقل جمل من بدعهم و مفتريانهم: " كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون " (الانعام: 137) وهذا غير مسألة الوأد المعروف الذي كان بنو تميم من العرب يعلمون به، فان المفهوم من ظاهر لفظ الاولاد أعم من المذكور منهم والبنات والوأد مخصوص بالبنات، وأيضا غير قتلهم أولادهم من املاق أو خشيئته، بل هو عنوان آخر يفعلونه على سبيل التقرب إلى الالهة.


فان قيل: لعله كان مأمورا من جانب الله سبحانه كما كان جده ابراهيم (ع) مأمورا، قلنا: هذا التوجيه مخالف لظاهر الروايات فانه صرح في جميعها بأنه نذر، مضافا إلى أنه لو كان مأمورا فلا محيص له عنه ويجب عليه أن يفعله كما أمر، فكيف فداه بالابل، ولم لم يقل في جواب من منعه - كما في الروايات - : انى مأمور بذلك.


وبالجملة في طرق هذه القصة وما شاكلها مثل خبر " أنا ابن الذبيحين " جماعة كانوا ضعفاء أو مجهولين أو مهملين أو على غير مذهبنا مثل أحمد بن سعيد الهمدانى المعروف بابن عقدة وهو زيدى جارودى، أو أحمد بن الحسن القطان وهو شيخ من أصحاب الحديث عامي ويروى عنه المؤلف في كتبه بدون أن يردفه بالرضيلة مع أن دابه أن يتبع مشايخه بها ان كانوا اماميا، وكذا محمد بن جعفر بن بطة الذي ضعفه ابن الوليد وقال: كان مخلطا فيما يسنده وهكذا عبدالله بن داهر الاحمرى وهو ضعيف كما في (صه وجش) وأبوقتادة ووكيع بن الجراح وهما من رجال العامة ورواتهم ولا يحتج بحديثهم إذا كان مخالفا لاصول المذهب وان كانوا يسندون خبرهم إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وانك إذا تتبعت أسانيد هذه القصة وما شابهها ما شككت في أنها من مفتعلات القصاصين ومخترعاتهم نقلها المحدثون من العامة لجرح عبدالمطلب ونسبة الشرك - العياذ بالله - اليه رغما للامامية حيث أنهم نزهوا آباء النبى (صلى الله عليه وآله) عن دنس الشرك، ويؤيد ذلك أن كثيرا من قدماء مفسريهم كالزمخشرى والفخر الرازى والنشابورى وأضرابهم والمتأخرين كالمراغى وسيد قطب وزمرة كبيرة منهم نقلوا هذه القصة أو أشارو اليها عند تفسير قوله تعالى " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم " وجعلوا عبدالمطلب مصداقا للاية انتصارا لمذهبهم الباطل في اعتقاد الشرك في آباء النبى (صلى الله عليه وآله) وأجداده.


قال العلامة المجلسى - (رحمه الله) -: اتفقت الامامية - رضوان الله عليهم - على أن والدي الرسول (صلى الله عليه وآله) وكل أجداده إلى آدم (عليه السلام) كانوا مسلمين بل كانوا من الصديقين إما أنبياء مرسلين أو أوصياء معصومين، ثم نقل عن الفخر الرازى أنه قال: " قالت الشيعة ان أحدا من آباء الرسول (صلى الله عليه وآله) وأجداده ما كان كافرا " ثم قال: نقلت ذلك عن امامهم الرازى ليعلم أن اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوما بحيث اشتهر بين المخالفين ".


وان قيل: لا ملازمة بين هذا النذر وبين الشرك، ويمكن أن يقال ان نذر عبدالمطلب كان لله واما المشركون فنذروا لالهتهم، قلت: ظاهر الآية أن النذر بذبح الولد من سنن المشركين دون الموحدين فالناذر اما مشرك أو تابع لسنن الشرك وجل ساحة عبدالمطلب أن يكون مشركا - العياذ بالله - أو تابعا لسنن - المشركين، والاصرار بتصحيح أمثال هذه القصص مع نكارتها كثيرا ما يكون من الغفلة عما جنته يد الافتعال، ثم اعلم أن المصنف - رضو الله تعالى عليه - لم يحتج بهذا الخبر في حكم من الاحكام انما أورده في هذا الكتاب طردا للباب ويكون مراده جواز القرعة فقط وهو ظاهر من الخبر.


التالي ص 164/1166 — الأصلية 446 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...