الشيخ الصدوق · من لا يحضره الفقيه الجزء الرابع 4 · صفحة 388 من 550
صفحة
[صفحة 389]
اعلم يا بنى انه لا بدلك من حسن الارتياد(1) وبلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحمل على ظهرك فوق طاقتك فيكون عليك ثقلا في حشرك ونشرك في القيامة، فبئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد.
واعلم ان امامك مهالك ومهاوى(2) وجسورا وعقبة كوودا لا محالة انت هابطها(3) وان مهبطها اما على جنة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك اياها(4) و إذا وجدت من اهل الفاقة من يحمل زادك إلى القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج اليه فاغتنمه وحمله(5) وأكثر من تزوده وأنت قادر عليه، فلعلك تطلبه فلا تجده، واياك ان تثق لتحميل زادك بمن لا ورع له ولا أمانة فيكون مثلك مثل ظمان رأى سرابا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فتبقى في القيامة منقطعا بك(6).
وقال (عليه السلام) في هذه الوصية: يا بنى البغى سائق إلى الحين،(7) لن يهلك امرء عرف قدره، من حصن شهوته صان قدره(8) قيمة كل امرء ما يحسن، الاعتبار يفيدك الرشاد،(9) اشرف الغنى ترك المنى، الحرص فقر حاضر، المودة قرابة
____________
(1) الارتياد: الطلب والمراد هنا طلب ما فيه صلاح.
(2) من أهوال يوم القيامة، والجسور جمع الجسر.
(3) قوله: " كؤودا " أى شاقه، والهبوط النزول.
(4) فارتد لنفسك أى اختر لها قبل نزولك فيها الجنة بأن يكون مهبطك اليها.
(5) أى تصدق في الدنيا على الفقراء فكأنهم حملة زادك.
(6) لما حث على التصدق وشبهه بحمل الزاد على من يتصدق عليه ليوصله إلى القيامة شبه التصدق على على غير المستحق بحمل الزاد على من لا ورع له فيذهب بالزا د فلم يصل اليه حين الاحتياج، ومعنى منقطعا بك أن يقطعك عن الزاد أى تبقى لا زاد لك.(مراد)
(7) الحين - بفتح المهملة -: الهلاك والمحنة، وفي بعض النسخ " الجبن " ولعله تصحيف.
(8) في بعض النسخ " من حظر شهوته " اى منعها، وحصن أى حفظ.
(9) الاعتبار من العبور والمقصود الاتعاظ، قال الجرجاني في التعريفات: الاعتبار أن يرى الدنيا للفناء والعاملين فيها للموت، وعمرانها للخراب، وقيل: الاعتبار اسم المعتبرة وهي رؤية فناء الدنيا كلها باستعمال النظر في فناء جزئها، وقيل الاعتبار من العبر وهو شق النهر والبحر يعنى يرى المعتبر نفسه على حرف من مقامات الدنيا.