الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن1 · صفحة 12 من 49

صفحة
[صفحة 4]
تغتسلوا " " ( 4 )

أقول : المستفاد من مجموع هذه الروايات أن الله سبحانه أطلق ملفوظ الصلاة
ومقدرها على معنيين : أحدهما إقامة الصلاة ، بقرينة قوله " حتى تعلموا ما تقولون " ،

والآخر موضع الصلاة ، بقرينة قوله : " إلا عابري سبيل " . ومثل هذا يسمى في صناعة

البلاغة بالاستخدام . والمفسرون لما لم يتفطنوا لهذه الدقيقة وراموا حملهما على معنى

واحد تكلفوا في معنى الآية بما لا ينبغي .

( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ) . كناية عن الحدث ،


1 - العياشي 1 : 242 ، الحديث : 137 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
2 - مجمع البيان 3 - 4 : 51 ، عن موسى بن جعفر عليهما السلام .
3 - ذيل الآية : 219 .
4 - علل الشرايع 1 : 288 ، الباب : 210 ، الحديث : 1 ، والعياشي 1 : 243 ، الحديث : 138 ، عن
أبي جعفر عليه السلام .


إذ الغائط : المكان المنخفض من الأرض . كانوا يقصدون للحدث مكانا منخفضا

يغيب فيه أشخاصهم عن الرائي . ( أو لمستم النساء ) . قال : " هو الجماع ، ولكن

الله ستير يحب الستر ، ولم يسم كما تسمون " ( 1 ) . ( فلم تجدوا ماء ) متعلق بكل

من الجمل الأربع ، ويشمل عدم التمكن من استعماله ، فإن الممنوع منه

كالمفقود . ( فتيمموا صعيدا طيبا ) : فتعمدوا ترابا طاهرا . قال : " الصعيد :

الموضع المرتفع والطيب : الموضع الذي ينحدر عنه الماء " ( 2 ) . ( فامسحوا بوجوهكم

وأيديكم ) " يعني بعض وجوهكم وبعض أيديكم ، فإن الباء فيه للتبعيض " .

كذا ورد ( 3 ) .

وورد في صفة التيمم : " فضرب بيديه على الأرض فنفضهما ( 4 ) ، ثم مسح على

جبينه ، ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الأخرى " ( 5 ) . وفي رواية : " التيمم ضربة للوجه

وضربة للكفين " ( 6 ) . وينبغي حملها على الأولوية . وورد : " إنه سواء من الوضوء

والجنابة والحيض " ( 7 ) .

أقول : وزيد في المائدة " منه " ( 8 ) أي من ذلك الصعيد ، فأستفيد منه اشتراط علوق
التراب بالكف ، وعدم جواز التيمم بالحجر غير المغبر .

( إن الله كان عفوا غفورا ) فلذلك يسر الامر عليكم ورخص لكم .

( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب ) : حظا يسيرا من علم


1 - الكافي 5 : 555 ، الحديث : 5 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، وفيه : " فلم يسم . . . " .
2 - معاني الأخبار : 283 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
3 - الكافي 3 : 30 ، الحديث : 4 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
4 - نفضت الثوب والشجر أنفضه نفضا : إذا حركته لينتفض . الصحاح 3 : 1109 ( نفض ) .
5 - العياشي 1 : 244 ، الحديث : 144 ، والكافي 3 : 61 ، الحديث : 1 ، و 62 ، الحديث : 3 ، عن
أبي جعفر عليه السلام ، مع تفاوت في العبارة .

6 - التهذيب 1 : 210 ، الحديث : 609 ، عن الرضا عليه السلام .
7 - المصدر : 212 ، الحديث : 617 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
8 - الآية : 6 .

التوراة ( يشترون الضلالة ) : يستبد لونها بالهدى ، بعد حصوله لهم

بالمعجزات الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم المبشر ( 1 ) به في التوراة . ( ويريدون أن تضلوا

السبيل ) .

( والله أعلم ) منكم ( بأعدائكم وكفى بالله وليا ) يلي أمركم ( وكفى بالله

نصيرا ) يعينكم فثقوا به واكتفوا به عن غيره .

( من الذين هادوا ) قوم ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) : يميلونها عنها

بتبديل كلمة مكان أخرى ، كما حرفوا في وصف محمد صلى الله عليه وآله وسلم " أسمر ربعة " ( 2 ) عن

موضعه في التوراة ووضعوا مكانه ( 3 ) " آدم طوال " ( 4 ) . ( ويقولون سمعنا )

قولك ( وعصينا ) أمرك ( واسمع غير مسمع ) يعني ( 5 ) : واسمع منا ندعوا عليك

بلا سمعت ، أو اسمع ، غير مجاب إلى ما تدعو إليه ، كذا قيل ( 6 ) . ( وراعنا ) :

انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك ، يعنون به السب . فإن " راعنا " سب في لغتهم .

( ليا بألسنتهم ) فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب حيث وضعوا " راعنا "

المشابه لما يتسابون به موضع " انظرنا " و " غير مسمع " موضع " لا أسمعت مكروها " .

( وطعنا في الدين ) : استهزاء به وسخرية ( ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع

وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ) : وأعدل وأسد ( ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون

إلا قليلا ) .

( يا أيها الذين أوتوا الكتب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس


1 - في " ب " و " ج " : " وأنه المبشر " .
2 - الأسمر : من شبه لونه لون الحنطة والأدم : من اشتد سمرته . والربعه : من ليس بطويل ولا قصير . " منه
في الصافي 1 : 456 " .

3 - في " ب " : " في مكانه " .
4 - آدم ، جمعه : الأدم كأحمر وحمر ، وهي في الناس السمرة الشديدة . النهاية 1 : 32 ( أدم ) . والطول
- بالضم - : الطويل . " منه في الصافي 1 : 457 " .

5 - في " ب " و " ج " : " يعنون " .
6 - البيضاوي 2 : 90 ، والكشاف 1 : 530 .

وجوها ) قال " نطمسها عن الهدى " ( 1 ) . ( فنردها على أدبارها ) قال : " في ضلالتها

بحيث لا تفلح ( 2 ) أبدا " ( 3 ) . والطمس : إزالة الصورة ومحو التخطيط . ( أو نلعنهم ) :

نخزيهم بالمسخ ( كما لعنا أصحب السبت وكان أمر الله مفعولا ) .

( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ) : الكبائر فما سواها

( لمن يشاء ) تفضلا عليه وإحسانا . قال : " لو أن المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب

أهل الأرض لكان الموت كفارة لتلك الذنوب . ثم قال : من قال لا إله إلا الله بإخلاص

فهو برئ من الشرك ، ومن خرج من الدنيا لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، ثم تلا هذه الآية

" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " من شيعتك ومحبيك يا

علي " ( 4 ) . وورد : " إن أدنى ما يكون الانسان به مشركا أن ابتدع رأيا فأحب عليه أو

أبغض " ( 5 ) . ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) : ارتكب ما يستحقر دونه الآثام .

والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل .

( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) . قال : " نزلت في اليهود والنصارى ، حيث

قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " ( 6 ) .

( بلى الله يزكى من يشاء ) لأنه العالم بما ينطوي عليه الانسان دون غيره ( ولا يظلمون

فتيلا ) : أدنى ظلم . وهو الخيط الذي في شق النواة ( 7 ) ، يضرب به المثل في الحقارة .

( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) في زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وأزكياء

عنده ( وكفى به إثما مبينا ) .


1 - مجمع البيان 3 - 4 : 55 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
2 - في جميع النسخ : يفلح ، ما أثبتناه من المصدر .
3 - مجمع البيان 3 - 4 : 55 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
4 - من لا يحضره الفقيه 4 : 295 ، الحديث : 892 ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن أمير المؤمنين
عليهم السلام .

5 - العياشي 1 : 246 ، الحديث : 150 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
6 - مجمع البيان 3 - 4 : 58 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
7 - النواة : اسم لخمسة دراهم وهو في الأصل : عجمة التمرة . " النهاية 5 : 131 ( نوا ) ، ولسان العرب
15 : 350 ( نوى ) .


( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) . الجبت

في الأصل اسم صنم ، فاستعمل في كل ما عبد من دون الله . والطاغوت يطلق على

الشيطان وعلى كل باطل من معبود أو غيره . ( ويقولون للذين كفروا ) : لأجلهم وفيهم

( هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) . قال : " يقولون لائمة الضلال والدعاة إلى

النار : هؤلاء أهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم " ( 1 ) . والقمي : نزلت في اليهود حين سألهم مشركوا

العرب : أديننا أفضل أم دين محمد ؟ قالوا : بل دينكم أفضل ( 2 ) .

( أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) .

( أم لهم نصيب من الملك ) قال : " يعني الإمامة والخلافة " ( 3 ) . ( فإذا لا يؤتون

الناس نقيرا ) . قال : " نحن الناس الذين عنى الله " ( 4 ) .

أقول : لعل التخصيص لأجل أن الدنيا خلقت لهم ، والخلافة حقهم ، فلو كانت
الأموال في أيديهم لانتفع بها سائر الناس ، ولو منعوا عن حقوقهم لمنع ساير الناس ،

فكأنهم كل الناس . وقد ورد : " نحن الناس وشيعتنا أشباه الناس وساير الناس

نسناس " ( 5 ) والنقير : النقطة التي في وسط النواة .

( أم يحسدون الناس على ماء آتاهم الله من فضله ) . قال : " نحن الناس

المحسدون على ما آتانا الله من الإمامة " ( 6 ) . وفي رواية : " الناس : النبي وآله " ( 7 ) .

( فقد آتينا آل إبراهيم الكتب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ) قال : " يعني جعل

منهم الرسل والأنبياء والأئمة ، فكيف يقرون في آل إبراهيم وينكرونه في آل

محمد ؟ " ( 8 ) . وقال : " الكتاب : النبوة . والحكمة : الفهم والقضاء . والملك العظيم :


1 - الكافي 1 : 205 ، الحديث : 1 ، والعياشي 1 : 246 ، الحديث : 153 ، عن أبي جعفر عليه السلام
2 - القمي 1 : 140 .
3 - الكافي 1 : 205 ، الحديث : 1 ، والعياشي 1 : 264 ، الحديث : 153 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
4 - الكافي 1 : 205 ، الحديث : 1 ، والعياشي 1 : 264 ، الحديث : 153 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
5 - الكافي 8 : 244 ، الحديث : 339 ، عن علي بن الحسين ، عن حسين بن علي عليهم السلام .
6 - الكافي 1 : 205 ، الحديث : 1 ، والعياشي 1 : 264 ، الحديث : 153 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
7 - مجمع البيان 3 - 4 : 61 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
8 - الكافي 1 : 206 ، الحديث : 5 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

الطاعة المفروضة " ( 1 ) .

( فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ) : أعرض ولم يؤمن ( وكفى بجهنم

سعيرا ) . يعني إن لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفا هم ما أعدلهم من سعير جهنم .

( إن الذين كفروا بآياتنا ) . القمي : الآيات : أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام ( 2 ) .

( سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) .

سئل : ما ذنب الغير ؟ فقال : " هي هي ، وهي غيرها ثم مثل بلبنة كسرت ثم ردت ( 3 ) في

ملبنها " ( 4 ) . ( إن الله كان عزيزا ) : لا يمتنع عليه ما يريده ( حكيما ) : يعاقب على وفق

حكمته .

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سند خلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر

التالي ص 12/49 — الأصلية 4 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...