الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن1 · صفحة 28 من 49

صفحة
لم يكن على ملتهم قط . ( قال أولو كنا كارهين ) أي : كيف نعود فيها ونحن كارهون

لها .

( قد افترينا على الله كذبا ) أي : فيما دعونا كم إليه ( إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا

الله منها ) بالبيان والبرهان ( وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ) خذ لأننا

ومنعنا الألطاف ، بأن يعلم أنه لا ينفع فينا ( وسع ربنا كل شئ علما ) : أحاط علمه

بعواقب الأمور ومكنوناتها ( على الله توكلنا ) في أن يثبتنا على الايمان ، ويوفقنا لازدياد

الايقان .

( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) : احكم بيننا ، فإن الفتاح : القاضي ، والفتاحة :

الحكومة . أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ، ويتميز المحق من المبطل ، من فتح

المشكل : إذا بينه . ( وأنت خير الفاتحين ) .

( وقال الملا الذين كفروا من قومه ) أي : أشرافهم قالوه لمن دونهم يثبطونهم

عن الايمان ( لئن اتبعتم شعيبا ) وتركتم دينكم ( إنكم الخاسرون ) .

فأخذتهم الرجفة ) : الزلزلة . وفي سورة هود " وأخذت الذين ظلموا


الصيحة " ( 1 ) . ( فأصبحوا في دارهم جاثمين ) : خامدين .

( الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ) أي : استؤصلوا ( 2 ) كأن لم يقيموا بها ،

والمغنى : المنزل ( 3 ) . ( الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ) دون أتباع شعيب ، فإنهم

الرابحون . وفي هذا الابتداء والتكرير تسفيه لرأي الملا ورد لمقالتهم ومبالغة في ذلك .

( فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسلات ربى ونصحت لكم فكيف

آسي ) : أخزن ( على قوم كافرين ) : قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم ، لكفرهم

واستحقاقهم العذاب النازل بهم .

( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ) : بالبؤس والفقر

( والضراء ) : الضر والمرض ( لعلهم يضرعون ) : لكي يتضرعوا ويتوبوا

ويتذللوا .

( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) أي : رفعنا ما كانوا فيه من البلاء والمحنة ، ووضعنا

مكانه الرخاء والعافية ( حتى عفوا ) أي : كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ، من

قولهم : عفا النبات أي : كثروا منه : إعفاء اللحى ( 4 ) .

( وقالوا قد مس آبائنا الضراء والسراء ) أبطرتهم النعمة ، فتركوا شكر الله ونسوا

ذكر الله ، قالوا : هذه عادة الدهر ، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء ، وقد مس

آباءنا نحو ذلك ، فلم ينتقلوا عما كانوا عليه ، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم

كذلك . ( فأخذناهم بغتة ) : فجأة ، عبرة لمن كان بعدهم ( وهم لا يشعرون ) أن

العذاب نازل بهم إلا بعد حلوله .


( 1 ) الآية : 94 .

( 2 ) استأصل الشئ : قطعه من أصله . مجمع البحرين 5 : 306 ( أصل ) .

( 3 ) أي : المنزل الذي غني به أهله ، أي : أقاموا ثم ظعنوا .

( 4 ) اللحي جمع اللحية . وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " . . . وأعفوا اللحي " ( معاني الأخبار " 291 )

أي : وفروها وكثروها . مجمع البحرين 1 : 300 ( عفا ) .


( ولو أن أهل القرى ) : ولو أنهم ( آمنوا واتقوا ) الشرك والمعاصي ( لفتحنا

عليهم بركات من السماء والأرض ) : لو سعنا عليهم الخيرات ويسرناها لهم من كل

جانب ، بإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك . ( ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا

يكسبون ) .

أفأمن أهل القرى ) المكذبون لنبينا ( أن يأتيهم بأسنا ) : عذابنا ( بياتا ) : وقت

بيات ( وهم نائمون ) .

( وأو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى ) : ضحوة النهار ، وهو في الأصل اسم

لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت . ( وهم يلعبون ) : يشتغلون بما لا ينفعهم .

( أفأمنوا مكر الله ) . مكر الله استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث

لا يحتسب . قال : " المكر من الله : العذاب " ( 1 ) . ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) .

فيه تنبيه على ما يجب أن يكون العبد عليه من الخوف لعقاب الله واجتناب المعصية .

( أو لم يهد ) أي : أو لم يبين ، ولذا عدي باللام . ( للذين يرثون الأرض من بعد

أهلها ) يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ( أن لو نشاء ) : أنه لو نشاء ( أصبناهم

بذنوبهم ) : بجزاء ذنوبهم ، كما أصبنا من قبلهم ( ونطبع على قلوبهم ) . مستأنف ،

يعني : ونحن نطبع ( فهم لا يسمعون ) سماع تفهم واعتبار .

( تلك القرى نقص عليك من أنبائها ) : بعض أبنائها ( ولقد جاءتهم رسلهم

بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ) يعني : " في الذر ، حين كانوا في أصلاب

الرجال وأرحام النساء " . كما ورد ( 2 ) ، ويأتي في سورة يونس ( 3 ) . قال : " إن الله خلق من

أحب من طينة الجنة ، وخلق من أبغض من طينة النار ، ثم بعثهم في الظلال . قيل : وأي .


( 1 ) القمي 1 : 236 و 367 .

( 2 ) راجع : العياشي 2 : 126 ، الحديث : 36 ، والقمي 1 : 248 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 3 ) في ذيل الآية : 74 .


شئ الظلال ؟ قال : ألم تر إلى ظلك في الشمس شئ وليس بشئ ، ثم بعث منهم

النبيين فدعوهم إلى الاقرار بالله ، وهو قوله : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ( 1 ) .

ثم دعوهم إلى الاقرار بالنبيين ، فأقر بعضهم وأنكر بعض ( 2 ) ثم دعوهم إلى ولايتنا ، فأقر

بها والله من أحب وأنكرها من أبغض ، وهو قوله : " ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من

قبل " ( 3 ) ثم قال : كان التكذيب ثم " ( 4 ) . وفي رواية : " فمنهم من أقر بلسانه ولم يؤمن

بقلبه " ( 5 ) . ( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) .

( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) : وفاء عهد ( وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) :

وإنه علمنا أكثرهم خارجين عن الطاعة . قال : " إنها نزلت في الشاك " ( 6 ) . وفي رواية :

" إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا ، وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا ، لو لم

تفعلوا لعير كم الله كما عيرهم ، حيث يقول : " وما وجدنا لأكثرهم من عهد " الآية " ( 7 ) .

وعن أبي ذر : " والله ما صدق أحد ممن أخذ ميثاقه فوفى بعهد الله غير أهل بيت نبيهم

وعصابة قليلة من شيعتهم ، وذلك قول الله : " وما وجدنا " الآية " ( 8 ) .

( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا ) : بالمعجزات ( إلى فرعون وملئه ) . وهو

لقب ملك مصر . ( فظلموا بها ) : بأن كفروا بها مكان الايمان الذي هو من حقها

لوضوحها ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) .


( 1 ) الزخرف ( 43 ) : 87 .

( 2 ) في " ألف " : " وأنكر بعضهم " .

( 3 ) يونس ( 10 ) : 74 .

( 4 ) الكافي 2 : 10 ، الحديث : 3 ، عن أبي جعفر عليه السلام ، والعياشي 2 : 126 - 127 ، الحديث : 37 ، عن أبي

عبد الله عليه السلام .

( 5 ) القمي 1 : 248 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 6 ) الكافي 2 : 399 ، الحديث : 1 ، والعياشي 2 : 23 ، الحديث : 60 ، عن موسى بن جعفر عليهما السلام .

( 7 ) الكافي 8 : 35 ، ذيل الحديث : 6 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 8 ) العياشي 2 : 23 ، الحديث : 59 .


( وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ) .

( حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ) : بأن لا أقول كما قرئ به ، فوضع

" على " مكان الباء كقولهم : " رميت على القوس " . ( قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل

معي بني إسرائيل : فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن

آبائهم ، وكان قد استعبدهم واستخدامهم في الأعمال الشاقة .

( قال إن كنت جئت بأية فأت بها إن كنت من الصادقين ) .

( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) : ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان ، وهو الحية

العظيمة . قال : " وكان له شعبتان قد وقع إحداهما في الأرض والأخرى في أعلى قبة

فرعون ، وكان ارتفاعها ثمانين ذراعا ، فنظر فرعون إلى جوفه وهو يلتهب نيرانا ، فأهوى

إليه فأحدث ( 1 ) وصاح : يا موسى خذها " ( 2 ) .

( ونزع يده ) من جيبه ( فإذا هي بيضاء للناظرين ) : بياضا نورانيا غلب شعاعه

شعاع الشمس . " وكان موسى آدم شديد الأدمة " فيما يروى ( 3 ) .

( قال الملا من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ) .

( يريد أن يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون ) .

قالوا أرجه وأخاه ) : أخرهما وأصدرهما عنك ، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر

أمرهما . ورد : " لم يكن في جلسائه يومئذ ولد سفاح ، ( 4 ) ولو كان لأمر بقتلهما ، قال :

وكذلك نحن لا يسرع إلينا ( 5 ) إلا كل خبيث الولادة " . ( 6 ) ( وأرسل في المدائن حاشرين ) .


( 1 ) أحدث فلان : تغوط . أقرب الموارد 1 : 169 ( حديث ) .

( 2 ) العياشي 2 : 24 ذيل الحديث : 61 ، مرفوعة .

( 3 ) تفسير أبي السعود 3 : 258 ، والكشاف 2 : 102 ، والبيضاوي 3 : 21 .

( 4 ) السفاح - بالكسر - : الزنا والفجور . مجمع البحرين 2 : 372 ( سفح ) .

( 5 ) في المصدر : " لا ينزع إلينا " .

( 6 ) العياشي 2 : 24 ، الحديث : 62 ، عن يونس بن ظبيان .


( يأتوك بكل ساحر عليم ) .

( وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين ) .

قال نعم وإنكم لمن المقربين ) .

( قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين ) . خيروه مراعاة

للأدب ، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله ، فنبهوا عليه بتغيير النظم إلى ما هو

أبلغ .

( قال ألقوا ) كرما تسامحا وقلة مبالاة بهم ، وثقة بما كان بصدده من التأييد

الإلهي . ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس ) بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه بالحيل

والشعوذة ( 1 ) . ( واسترهبوهم ) : وأرهبوهم إرهابا شديدا ، كأنهم طلبوا رهبتهم ( وجاءوا

بسحر عظيم ) في فنه . روي : " أنهم حبالا ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا كأنها حياة ،

ملأت الوادي وركب بعضها بعضا " ( 2 ) .

( وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ) فألقاها فصارت حية عظيمة ( فإذا هي

تلقف ما يأفكون ) : ما يزورونه ، من الإفك ، وهو الصرف وقلب الشئ عن

وجهه .

روي : " أنها لما تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعتها بأسرها ، أقبلت على الحاضرين

فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم ، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت ،

فقالت السحرة : لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا " ( 3 ) .

( فوقع الحق ) : فحصل وثبت لظهور أمره ( وبطل ما كانوا يعملون ) من السحر

والمعارضة .


( 1 ) الشعوذة : خفة في اليد وأخذ كالسحر يرى الشئ بغير ما عليه أصله في رأي العين . القاموس المحيط

1 : 368 .

( 2 ) البيضاوي 3 : 22 .

التالي ص 28/49 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...