الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن 2 · صفحة 80 من 176

صفحة
[صفحة 1]
[ مكية ، وهي خمس وسبعون آية ] ( 1 )

بسم الله الرحمن الرحيم

( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) .

( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ) من الشرك والرياء .

( ألا لله الدين الخالص ) لأنه المتفرد بالألوهية ، والاطلاع على الضمائر ( والذين

اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) بإضمار القول ( إن الله

يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ) من أمور الدين ( إن الله لا يهدي من هو كاذب

كفار ) .

( لو أراد الله أن يتخذ ولدا ) كما زعموا ونسبوا إليه الملائكة والمسيح وعزير

( لاصطفى ) : لاختار ( مما يخلق ما يشاء ) قيل : يعني ما كان اتخاذه الولد باختيارهم

حتى يضيفوا إليه من شاؤوا ( 2 ) ( سبحانه هو الله الواحد القهار ) قال : ( ليس له في الأشياء

شبيه ) ( 3 ) .


( 1 ) - ما بين المعقوفتين من ( ب ) .

( 2 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 488 .

( 3 ) - التوحيد : 83 ، الباب : 3 ، قطعة من حديث : 3 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .


( خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على

الليل ) : يغشى كل واحد منهما الاخر ، كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس ، أو يغيبه به كما

يغيب الملفوف باللفافة ، أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة . ( وسخر

الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز ) : الغالب على كل شئ ( الغفار ) حيث لم يعاجل بالعقوبة

( خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ) . سبق تفسيره في سورة النساء ( 1 ) .

( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) أهليا ووحشيا ، من البقر والضأن والمعز ،

وبخاتي ( 2 ) وعرابا من الإبل ، كما مر بيانه في سورة الأنعام ( 3 ) . قال : ( إنزاله ذلك خلقه إياه ) ( 4 ) .

( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ) : حيوانا سويا ، من بعد عظام مكسوة

لحما ، من بعد عظام عارية ، من بعد مضغة ، من بعد علقة ، من بعد نطفة . ( في ظلمات

ثلاث ) قال : ( ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ) ( 5 ) . ( ذلكم الله ربكم له الملك

لا إله إلا هو فأنى تصرفون ) يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك .

( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ) لإستضرارهم به رحمة

عليهم ( وإن تشكروا يرضه لكم ) لأنه سبب فلا حكم . القمي : فهذا كفر النعم ( 6 ) . وورد :

( الكفر هاهنا الخلاف ، والشكر الولاية والمعرفة ) ( 7 ) . ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى

ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور ) .

( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ) لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على


( 1 ) - النساء ( 4 ) : 1 .

( 2 ) - البخاتي جمع البخت - بالضم - الإبل الخراسانية . القاموس المحيط 1 : 148 ( بخت ) .

( 3 ) - ذيل الآية : 143 - 44 .

( 4 ) - الاحتجاج 1 : 372 ، عن أمير المؤمنين عليه السلام .

( 5 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 491 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 6 ) - القمي 2 : 246 .

( 7 ) - المحاسن : 149 ، الباب : 19 ، الحديث : 65 .


أن مبدأ الكل منه سبحانه ( ثم إذا خوله ) : أعطاه تفضلا ، فإن التخويل مختص بالتفضل .

( نعمة منه ) : من الله ( نسي ما كان يدعو إليه ) أي : الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه

( من قبل ) : من قبل النعمة ( وجعل لله أندادا ) : شركاء ( ليضل عن سبيله قل تمتع

بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ) .

قال : ( نزلت في أبي الفصيل ، إنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله عنده ساحرا ، فكان إذا مسه

الضر ، يعني السقم ( دعا ربه منيبا إليه ) ، يعني تائبا إليه من قوله في رسول الله صلى الله عليه وآله ما يقول ،

ثم إذا خوله نعمة منه ) ، يعني العافية ( نسي ما كان يدعو إليه من قبل ) ، يعني نسي التوبة إلى

الله مما كان يقول في رسول الله : إنه ساحر ، ولذلك قال الله عز وجل : ( قل تمتع بكفرك

قليلا إنك من أصحاب النار ، ) يعني إمرتك على الناس بغير حق من الله عز وجل ومن

رسوله ) ( 1 ) .

( أمن هو قانت اناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) قال :

يعني صلاة الليل ) ( 2 ) .

وفي الحديث السابق : ( ثم عطف القول من الله في علي عليه السلام ، يخبر بحاله وفضله عند

الله فقال : ( قل هل يستوي الذين يعلمون ) أن محمدا رسول الله ( والذين لا يعلمون )

أن محمدا رسول الله ، أو أنه ( 3 ) ساحر كذاب . قال هذا تأويله ( 4 ) . ( إنما يتذكر أولوا

الألباب ) .

قال : ( نحن الذين يعلمون ، وعدونا الذين لا يعلمون ، وشيعتنا أولوا الألباب ) ( 5 ) .


1 ) - الكافي 8 : 204 ، الحديث : 246 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
( 2 ) - علل الشرائع : 364 ، الباب : 84 ، ذيل الحديث : 8 ، عن أبي جعفر عليه السلام .

( 3 ) - في المصدر : " وأنه " .

( 4 ) - الكافي 8 : 204 - 205 ، الحديث : 246 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 5 ) - الكافي 8 : 35 ، قطعة من حديث : 6 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، بصائر الدرجات : 54 ، الباب : 24 ، الحديث : 1 ،

عن أبي جعفر عليه السلام .


قال : ( هم أولوا العقول ) ( 1 ) .

( قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ) بلزوم طاعته ( للذين أحسنوا في هذه

الدنيا حسنة ) . الظرف إما متعلق ب ( أحسنوا ) أو ب ( حسنة ) ، وعلى الأول تشمل الحسنة

حسنة الدارين ، وعلى الثاني لا ينافي نيل حسنة الآخرة أيضا ، وحسنة الدنيا مثل الصحة

والعافية .

ورد : ( إن المؤمن يعمل لثلاث من الثواب ، إما لخير فإن الله يثيبه بعمله في دنياه ، ثم

تلا هذه الآية ، ثم قال : فمن أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة ) ( 2 ) .

( وأرض الله واسعة ) فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في وطنه ، فليهاجر إلى

حيث تمكن منه ( إنما يوفى الصابرون ) على مشاق الطاعة ، من احتمال البلاء ومهاجرة

الأوطان لها ( أجرهم بغير حساب ) : أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب .

قال : ( إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ، ولم ينشر

لهم ديوان ، ثم تلا هذه الآية ) ( 3 ) .

وورد : ( إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة فيضربونه ، فيقال

لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل الصبر . فيقال : على ما صبرتم ؟ فيقولون : كنا نصبر على

طاعة الله ، ونصبر عن معاصي الله . فيقول الله عز وجل : صدقوا أدخلوهم الجنة . وهو قول

الله : ) إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( ) ( 4 ) .

( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ) : موحدا له .

( وأمرت لأن أكون أول المسلمين ) : مقدمهم في الدنيا والآخرة .


1 ) - الكافي 1 : 20 ، ذيل الحديث : 12 ، عن موسى بن جعفر ، عن حسن بن علي عليهم السلام ، القمي 2 : 246 .
2 ) - الأمالي ( للشيخ الطوسي ) 1 : 25 ، الأمالي ( للشيخ المفيد ) : 262 ، قطعة من حديث : 3 عن أمير المؤمنين عليه السلام .
3 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 492 ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله .
4 ) - الكافي 2 : 75 ، الحديث : 4 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( قل إني أخاف إن عصيت ربي ) بترك الإخلاص ( عذاب يوم عظيم ) .

( قل الله أعبد مخلصا له ديني ) امتثالا لأمره تعالى .

( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) تهديد وخذلان لهم . ( قل إن الخاسرين ) : الكاملين

في الخسران ( الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ) قال : ( غبنوا ) ( 1 ) . ( يوم القيامة ألا ذلك

هو الخسران المبين ) .

( لهم من فوقهم ظلل من النار ) : أطباق منها تظلهم ( ومن تحتهم ظلل ) . قيل :

هي ظلل للآخرين ( 2 ) . ( ذلك يخوف الله به عباده ) ليجتنبوا ما يوقعهم فيه ( يا عباد

فاتقون ) ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي .

( والذين اجتنبوا الطاغوت ) : البالغ غاية الطغيان ( أن يعبدوها وأنابوا إلى الله ) :

وأقبلوا إليه بشراشرهم عما سواه ( لهم البشرى ) بالثواب على ألسنة الرسل وعلى ألسنة

الملائكة ، عند حضور الموت . قال : ( أنتم هم ، ومن أطاع جبارا فقد عبده ) ( 3 ) . ( فبشر

عباد ) .

( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) : يميزون بين الحق والباطل ، ويؤثرون

الأفضل فالأفضل . ورد : ( هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه ، لا يزيد فيه ولا

ينقص منه ) ( 4 ) . ( أولئك الذين هداهم الله ) لدينه ( وأولئك هم أولوا الألباب ) .

( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ) بالسعي في دعائه إلى

الإيمان ، إنكار واستبعاد لإنقاذ من حق عليه الكلمة ، لأنه كالواقع في النار .

( لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها


1 ) - القمي 2 : 248 ، عن أبي جعفر عليه السلام .
2 ) - الكشاف 3 : 392 ، البيضاوي 5 : 25 .
3 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 493 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .
4 ) - الكافي 1 : 51 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ) .

قال : ( تلك غرف بناها الله لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد ، سقوفها الذهب

التالي ص 80/176 — الأصلية 1 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...