الأصفى في تفسير القرآن

الفيض الكاشاني · الأصفى في تفسير القرآن 2 · صفحة 86 من 176

صفحة
بقتله ، فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد ، وإنما أدرج نفسه فيه ليريهم أنه معهم ومساهمهم

فيما ينصح لهم . ( قال فرعون ما أريكم ) : ما أشير إليكم ( إلا ما أرى ) واستصوبه من

قتله ( وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) .

( وقال الذي امن يا قوم إني أخاف عليكم ) في تكذيبه والتعرض له ( مثل يوم

الأحزاب ) : مثل أيام الأمم الماضية المتحزبة على الرسل ، يعني وقائعهم . وجمع

( الأحزاب ) مع التفسير أغنى عن جمع ( اليوم ) .

( مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ) : مثل سنة الله فيهم حين استأصله ، جزاء بما

كانوا عليه من الكفر وإيذاء الرسل . ( والذين من بعدهم ) كقوم لوط ( وما الله يريد ظلما

للعباد ) يعاقبهم بغير ذنب ، ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام .

( ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ) قال : ( يوم ينادي أهل النار أهل الجنة :

أفيضوا علينا من الماء ، أو مما رزقكم الله ) ( 1 ) .

( يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ) يعصمكم من عذابه ( ومن يضلل

الله فما له من هاد ) .

( ولقد جاءكم يوسف من قبل ) : من قبل موسى ( بالبينات ) : بالمعجزات ( فما زلتم

في شك مما جاءكم به ) من الدين . ( حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا

كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب )

( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ) : بغير حجة ( أتاهم ) بل إما بتقليد أو

شبهة داحضة ( 2 ) ( كبر مقتا عند الله وعند الذين امنوا كذلك يطبع الله على كل قلب

متكبر جبار ) .


( 1 ) - معاني الأخبار : 156 ، الحديث : 1 ، عن أبي عبد الله عليه السلام . ( 2 ) - دحض الحجة : بطلت . القاموس المحيط 2 : 343 ( دحض ) .


( وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا ) : بناء مكشوفا عاليا ، من صرح الشئ : إذا

ظهر . ( لعلي أبلغ الأسباب ) : الطرق .

( أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ) في دعوى

الرسالة . ( وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في
تباب ) : في خسار .

( وقال الذي امن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ) .

( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) : تمتع يسير لسرعة زوالها ( وإن الآخرة هي

دار القرار ) لخلودها .

( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ) عدلا من الله ( ومن عمل صالحا من ذكر أو

أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) : بغير تقدير

وموازنة بالعمل ، بل أضعافا مضاعفة ، فضلا من الله ورحمة .

( ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ) .

( تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به ) : بربوبيته ( علم ) والمراد نفي

المعلوم ، والأشعار بأن الألوهية ، لابد لها من برهان ، واعتقادها لا يصح إلا عن إيقان .

( وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ) المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة

والتمكن من المجازاة ، والقدرة على التعذيب ، والغفران .

( لا جرم ) ( لا ) رد لما دعوه إليه ، و ( جرم ) بمعنى حق . ( أنما تدعونني إليه ليس له

دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ) . قيل : أي : حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها ، أو عدم

دعوة مستجابة لها ( 1 ) . ( وأن مردنا إلى الله ) بالموت ( وأن المسرفين ) في الضلال

والطغيان . ( هم أصحاب النار ) .


( 1 ) - البيضاوي 5 : 40 .


( فستذكرون ) عند معاينة العذاب ( ما أقول لكم ) من النصيحة ( وأفوض أمري

إلى الله ) ليعصمني من كل سوء ( إن الله بصير بالعباد ) .

( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) : شدائد مكرهم ( وحاق بال فرعون سوء

العذاب ) .

قال : ( التقية ترس الله في الأرض ، لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل ) ( 1 ) .

ورد : ما ملخصه : ( إنه لما وشوا ( 2 ) به إلى فرعون : أنه خالفك ، وجئ به إليه ، ورى

فوقي من القتل ، فجعل في ساق كل واحد من الواشين وتد وفي صدره وتد ، وأمر أصحاب

أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم ، فذلك ما قال الله : ) فوقاه الله ( إلى قوله : ) سوء

العذاب ( ) ( 3 ) .

وفي رواية : ( والله لقد قطعوه إربا إربا ، ولكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه ) ( 4 ) .

( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) . قال : ( ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة ، لأن

في نار القيامة لا يكون غدو وعشي ، ثم قال : إن كانوا إنما يعذبون في النار غدوا وعشيا ،

ففيما بين ذلك هم من السعداء ، ولكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة ، ألم تسمع إلى

قوله تعالى : ( ويوم تقوم الساعة ادخلوا ( الآية ) ( 5 ) .
وورد : ( إن أرواح الكفار في نار جهنم يعرضون عليها ، يقولون : ربنا لا تقم لنا الساعة ،

ولا تنجز لنا ما وعدتنا ، ولا تلحق آخرنا بأولنا ) ( 6 ) . ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا ال فرعون

أشد العذاب ) .


( 1 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 521 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 2 ) - وشى به وشيا ووشاية : إذا نم عليه وسعى به . لسان العرب 15 : 313 ( وشي ) .

( 3 ) - الاحتجاج 2 : 131 - 132 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 4 ) - القمي 2 : 258 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 5 ) - مجمع البيان 7 - 8 : 526 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .

( 6 ) - الكافي 3 : 245 ، الحديث : 2 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


( وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم

مغنون عنا نصيبا من النار ) بالدفع أو الحمل .

قال : ( الاستكبار هو ترك الطاعة لمن أمروا بطاعته ، والترفع على من ندبوا إلى

متابعته ) ( 1 ) .

( قال الذين استكبروا إنا كل فيها ) فكيف نغني عنكم ، ( إن الله قد حكم بين

العباد ) ولا معقب لحكمه .

( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ) .

( قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا ) فإنا لا نجترئ

فيه ، إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم ، وفيه إقناط لهم عن الإجابة . ( وما دعاء الكافرين

إلا في ضلال ) : في ضياع لا يجاب .

( إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) . قال : ( ذلك

والله في الرجعة ، أما علمت أن أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا ، وأئمة من بعدهم

قتلوا ولم ينصروا ، وذلك في الرجعة ) ( 2 ) .

( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ) لبطلانها ( ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) .

( ولقد آتينا موسى الهدى ) : ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف

والشرائع ( وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ) : التوراة .

( هدى وذكرى لأولي الألباب ) .

( فاصبر ) على أذى المشركين ( إن وعد الله حق ) بالنصر ( واستغفر لذنبك ) :

لترك الأولى والاهتمام بأمر العدا ( وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار ) .

( إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ) :


( 1 ) - مصباح المتهجد : 701 ، عن أبي الحسن الرضا ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام .

( 2 ) - القمي 2 : 259 ، عن أبي عبد الله عليه السلام .


عظمة وتكبر عن الحق ( ما هم ببالغيه ) أي : ما هم ببالغي تلك العظمة ، لأن الله مذلهم

( فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ) .

( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) فمن قدر على خلقها أولا من غير

أصل ، قدر على خلق الناس ثانيا من أصل ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) لأنهم لا
ينظرون ولا يتأملون ، لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم .

( وما يستوي الأعمى والبصير ) : الجاهل والمستبصر ( والذين امنوا وعملوا

الصالحات ولا المسئ ) : والمحسن والمسئ ، فما بعد البعث يظهر التفاوت ( قليلا ما

تتذكرون ) .

( إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) لقصور نظرهم

على ظاهر المحسوس .

( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون

جهنم داخرين ) : صاغرين . قال : ( هو الدعاء ، وأفضل العبادة الدعاء ) ( 1 ) .

( الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) : لتستريحوا فيه ، بأن خلقه باردا

مظلما ، ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس . ( والنهار مبصرا ) : يبصر فيه أو به ،

وإسناد الإبصار إليه مجاز فيه مبالغة . ( إن الله لذو فضل على الناس ) : فضل لا يوازيه

فضل . ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) لجهلهم بالمنعم ، وإغفالهم مواقع النعم .

( ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ) : تصرفون عن

عبادته إلى عبادة غيره .

( كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ) .

( الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ) بأن


( 1 ) - الكافي 2 : 466 ، الحديث : 1 ، عن أبي جعفر عليه السلام .


خلقكم منتصب القامة ، بادي البشرة ، متناسب الأعضاء والتخطيطات ، متهيأ لمزاولة

( الصنايع واكتساب الكمالات . ( ورزقكم من الطيبات ) : اللذائذ ( ذلكم الله ربكم

فتبارك الله رب العالمين ) فإن كل ما سواه مربوب مفتقر معرض للزوال .

( هو الحي ) : المتفرد بالحياة الذاتية ( لا إله إلا هو ) : لا أحد يساويه أو يدانيه

في ذاته وصفاته ( فادعوه مخلصين له الدين ) من الشرك والرياء ( الحمد لله رب

العالمين ) : قائلين له .

ورد : ( إذا قال أحدكم : ) لا إله إلا الله ( فليقل : ) الحمد لله رب العالمين ( فإن الله تعالى

يقول : ) هو الحي ( الآية ) ( 1 ) .

( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي

وأمرت أن أسلم لرب العالمين ) : أن أنقاد له ، وأخلص له ديني .

( هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا )

( ثم لتبلغوا ) : ثم يبقيكم لتبلغوا ( أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من

قبل ) : من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد .

( ولتبلغوا أجلا مسمى ) : ويفعل ذلك لتبلغوا وقت الموت ( ولعلكم تعقلون ) ما في

ذلك من الحجج والعبر .

( هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ) بلا صوت ولا حرف

( فيكون ) .

( ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ) عن التصديق بها .

( الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ) .

( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ) بها .


( 1 ) - القمي 2 : 260 ، عن علي بن الحسين عليهما السلام .


( في الحميم ثم في النار يسجرون ) : يحرقون .

التالي ص 86/176 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...