مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام
حافظ رجب البرسي · مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام · صفحة 17 من 420
صفحة
[صفحة 17]
فرجع الطرف خاسئا حسيرا، و العقل مبهوتا مبهورا، و الفكر متحيّرا مذعورا، و الوهم مذموما مدحورا؛ فسبحان الملك الحق المتعالي عن الجهات و الأمكنة، الذي لا تأخذه نوم و لا سنة، و لا تصف جلال كمال عظمته الألسنة اللسنة، لا يحويه مكان، و لا يخلو منه مكان، و لا يصفه لسان، به كان الخلق لا بالخلق كان.
إن قلت: متى فقد سبق الكون كونه؛ أو قلت قبله فالقبل بعده؛ أو قلت أين؟ فقد تقدّم المكان وجوده؛ أو قلت كيف؟ فقد أصحت (1) عن الوصف صفته؛ أو قلت مم؟ فقد باين الأشياء كلّها؛ أو قلت هو، فالهاء و الواو كلامه.
بالكلمة تجلّى الصانع للعقول، و بها احتجب عن العيون، فسبحان من جوده آية وجوده، و أنوار عظمته مانعة من سهوده، لم يزل، و لا يزال، أزليا أبديا في الغيوب، ليس فيها أحد غيره و لا معبود سواه، لا يجوز عليه التشبيه الذي يرقبه فهمك، و لا التشكيك الذي ينتجه و همك، الجبّار الذي فتق و رتق ظلام العدم بقوّته و قهره، فأهلّ الوجود بلا إله إلّا اللّه، و أتقن نظام الموجودات بقدرته و أمره، فليس خالق إلّا اللّه خالق السّماوات، و بالعدل فطرها، و أجرى فيها شمسها و قمرها، فهي دائرة بقهره، طالعة لأمره، ملأها بالأنوار، و قدّسها بالأبرار، و حرسها بالشهب الثواقب من الأغيار، و حفظها من الأود و الانفطار، فهي عالم الملكوت، و قبة الجبروت، و سرادق العظمة و الجلال و الجبروت، سقفا مرفوعا، و سمكا محفوظا، بغير عمد يدعمها، و لا دسار يقبضها، لم يشيّدها سبحانه خوفا من سطوة سلطان، و لا خشية من نزول حدثان، بل جعلها دليلا للناظر، و علما للسائر، تدلّ آياتها على عظمته، و رفعتها على قدرته، و كمال لطفه و حكمته، فمن نظر في خلق السّماوات، و تعاقب حركات السيارات، و اختلاف الليل و النهار، و ما تضمن ذلك من الحكمة العجيبة، و القدرة الغريبة، بل في نفسه، و تركيب جسده، شاهد في كل لحظة، و عاين في كل لمحة، شاهد حق، و ناطق صدق، ينطق بأن صانعه حي قيوم قدير، و يشهد بأن موجده ربّ حكيم خبير.
سماء ذات أبراج، و أرض ذات فجاج، و بحار ذات أمواج، و قمر ذو إشراق، و سراج و هاج، و سحاب صاعد، و ماء فجاج، و أجسام ذات أعضاء، و أحياء و أمشاج، و الكل يدلّون