ابن شعبة الحراني · تحف العقول عن أل الرسول · الصفحة الأصلية 187 / داخلي 181 من 502
»»
[صفحة 187] ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا؟ انتحلوا الزهد فيها.
الدنيا منزل صدق لمن صدقها ومسكن عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومسكن أحبائه ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا منها الجنة، فيمن ذا يذم الدنيا يا جابر؟ و قد آذنت ببينها (1) ونادت بانقطاعها ونعت نفسها بالزوال ومثلت ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى السرور وراحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية ترهيبا وترغيبا، يذمها قوم عند الندامة. خدمتهم جميعا فصدقتهم (2). وذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا وخوفتهم فخافوا. وشوقتهم فاشتاقوا.
فأيها الذام للدنيا المغتر بغرورها متى استذمت إليك بل متى غرتك بنفسها؟ بمصارع آبائك من البلى؟(3) أم بمضاجع امهاتك من الثرى؟. كم مرضت بيديك وعللت بكفيك (4)، تستوصف لهم الدواء. وتطلب لهم الاطباء، لم تدرك فيه طلبتك ولم تسعف فيه بحاجتك (5)، بل مثلت الدنيا به نفسك وبحاله حالك غداة لا ينفعك أحباؤك ولا يغني عنك نداؤك، حين يشتد من الموت أعالين المرض وأليم لوعات المضض، حين لا ينفع الاليل (6) ولا يدفع العويل،
ومن قوله: " راحت بفجيعة " إلى هنا في مطالب السؤول هكذا [ فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى وان أغضرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى، ذمها رجال يوم الندامة ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا ].
وفى الامالى [ فابتكرت بعافية وراحت بفجيعة فذمها رجال فرطوا غداة الندامة وحمدها آخرون اكتسبوا فيها الخير ].