دلائل الإمامة

محمد بن جرير الطبري‏ · دلائل الإمامة · الصفحة الأصلية 234 / داخلي 223 من 639

[صفحة 234]
ظنّا منه‏ (1) أنّه يقصر و يخطئ و لا يصيب إذا رمى، فيشتفي منه بذلك، فقال له: إنّي قد كبرت عن الرمي، فإن رأيت أن تعفيني.


فقال: و حق من‏ (2) أعزّنا بدينه و نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لا أعفيك. ثمّ أومأ إلى شيخ من بني اميّة أن أعطه قوسك.


فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ، ثمّ تناول منه سهما فوضعه‏ (3) في كبد القوس ثمّ انتزع و رمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثمّ رمى فيه الثانية فشقّ فوق سهمه إلى نصله، ثمّ تابع الرمي حتّى شقّ تسعة أسهم‏ (4) بعضها في جوف بعض، و هشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر، و أنت أرمى العرب و العجم، كلّا زعمت أنّك قد كبرت عن الرمي. ثمّ أدركته ندامة على ما قال.


و كان هشام لا يكنّي أحدا قبل أبي و لا بعده في خلافته، فهمّ به و أطرق إطراقة يرتئي فيه رأيا، و أبي واقف بحذائه مواجها له، و أنا وراء أبي.


فلمّا طال وقوفنا بين يديه غضب أبي فهمّ به، و كان أبي إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يتبيّن للناظر الغضب في وجهه، فلمّا نظر هشام ذلك من أبي قال له: يا محمّد، اصعد، فصعد أبي إلى سريره و أنا أتبعه، فلمّا دنا من هشام قام إليه فاعتنقه و أقعده عن يمينه، ثمّ اعتنقني و أقعدني عن يمين أبي، ثمّ أقبل على أبي بوجهه فقال له: يا محمّد، لا تزال العرب و العجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك، و للّه درّك، من علّمك هذا الرمي؟ و في كم تعلّمته؟


فقال له أبي: قد علمت أن أهل المدينة يتعاطونه، فتعاطيته أيّام حداثتي، ثمّ تركته، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك عدت إليه‏ (5).


فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قطّ مذ عقلت، و ما ظننت أنّ في الأرض أحدا


(1) في «ع، م»: و ظن.

(2) في «ط»: تعفيني فلم يقبل و قال: لا و الذي.

(3) في «ط»: فتناولها منه أبي و تناول منه الكنانة فوضع سهما.

(4) في «ط» زيادة: فصار.

(5) في «ع، م»: فيه.
التالي الأصلية 234داخلي 223/639 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...