محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · الصفحة الأصلية 235 / داخلي 224 من 639
»»
[صفحة 235] يرمي مثل هذا الرمي، أين رمي جعفر من رميك؟
فقال: إنّا نحن نتوارث الكمال و التمام اللذين أنزلهما اللّه على نبيّه (عليه السلام) في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1) و الأرض لا تخلو ممن يكمل (2) هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا.
قال: فلمّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولّت و احمرّ وجهه، و كان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثمّ أطرق هنيئة، ثمّ رفع رأسه فقال لأبي: ألسنا بنو عبد مناف نسبنا و نسبكم واحد؟ فقال أبي: نحن كذلك، و لكنّ اللّه (جل ثناؤه) اختصّنا من مكنون سرّه و خالص علمه، بما لم يختصّ أحدا به غيرنا.
فقال: أ ليس اللّه (جل ثناؤه) بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّة، أبيضها و أسودها و أحمرها، من أين ورثتم ما ليس لغيركم؟ و رسول اللّه مبعوث إلى الناس كافّة، و ذلك قول اللّه (تبارك و تعالى): وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ* (3) إلى آخر الآية، فمن أين ورثتم هذا العلم و ليس بعد محمّد نبي و لا أنتم أنبياء؟
فقال: من قوله (تعالى) لنبيّه (عليه السلام): لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (4) فالذي أبداه فهو للناس كافّة، و الذي لم يحرّك به لسانه، أمر اللّه (تعالى) أن يخصّنا به من دون غيرنا.
فلذلك كان يناجي أخاه عليّا من دون أصحابه، و أنزل اللّه بذلك قرآنا في قوله (تعالى): وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (5) فقال رسول اللّه لأصحابه: سألت اللّه (تعالى) أن يجعلها اذنك يا عليّ، فلذلك قال عليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه عليه) بالكوفة: علّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ألف باب من العلم يفتح من كلّ باب ألف باب، خصّه به رسول
(1) المائدة 5: 3.
(2) في «ط»: يعني و رضيت لكم الاسلام دينا فالأرض ممن يكمل دينه لا تخلو، فكان ذلك علامة، و في «م»: