محمد بن جرير الطبري · دلائل الإمامة · صفحة 22 من 1064
صفحة
[صفحة 22] و يلجئون إليه في كلّ مأزق، و أمرهم في ذلك مشتهر، و قد تكرّر قول عمر بن الخطّاب:
لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن. و قوله: لو لا عليّ لهلك عمر (1). و لم يكن فضله على عمر بأكثر منه على الآخرين، و ليس عمر بأوّل من أقرّ له بفضله، فقد أقرّ له الجميع في غير موضع و مناسبة (2)، و أجمل كلّ ذلك قول ابن عبّاس: «و اللّه لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، و ايم اللّه لقد شارككم في العشر العاشر» (3).
ذلك واحد الناس، فلم تعرف الناس أحدا غيره قال: «سلوني، فو اللّه لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم» (4).
و هكذا كان شأن الأئمّة من ولده (عليهم السلام) أعلم أهل زمانهم و أرجحهم كفّة بلا خلاف، فقد علموا بدقائق ما كان عند الناس، و زادوا عليهم بخصائص علمهم الموروث من جدّهم المصطفى و أبيهم المرتضى. و قد شاع قول أبي حنيفة في الإمام الصادق (عليه السلام): لم أر أفقه من جعفر بن محمّد الصادق، و إنّه لأعلم الناس باختلاف الناس (5).
و لم يكن الإمام الصادق بأعلم من أبيه (عليهما السلام) بل علمه علم أبيه، و علم الأئمّة من بنيه علمه.
قال أبو حنيفة: دخلت المدينة، فرأيت أبا عبد اللّه الصادق فسلّمت عليه، و خرجت من عنده فرأيت ابنه موسى في دهليز و هو صغير السنّ، فقلت له: أين يحدث الغريب إذا كان عندكم و أراد ذلك؟ فنظر إليّ ثمّ قال: يتجنّب شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و أفنية الدور و الطرق النافذة، و المساجد، و لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها و يرفع و يضع بعد ذلك حيث شاء.
قال: فلمّا سمعت هذا القول منه نبل في عيني، و عظم في قلبي، فقلت له: جعلت