السيد ابن طاووس رضى الدين علي الحلي · الإقبال بالأعمال الحسنة الجزء 2 · صفحة القارئ 306 من 375 · الصفحة الأصلية 312
صفحة
[صفحة 312]
لقومهم، و نكص (1) من تكلّم منهم بالإسلام ارتدادا.
فخاضوا و أفاضوا في ذكر المسير بنفسهم و جمعهم إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و النزول به بيثرب لمناجزته (2)، فلمّا رأى أبو حامد حصين بن علقمة- أسقفهم الأوّل و صاحب مدارسهم و علامهم، و كان رجلا من بني بكر بن وائل- ما أزمع (3) القوم عليه من إطلاق الحرب، دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه، و قد بلغ يومئذ عشرين و مائة سنة.
ثم قام فيهم خطيبا معتمدا على عصى و كانت فيه بقيّة و له رأي و رويّة و كان موحّدا يؤمن بالمسيح و بالنبي (عليهما السلام) و يكتم ذلك من كفرة قومه و أصحابه.
فقال: مهلا بني عبد المدان مهلا، استديموا العافية و السعادة، فإنّهما مطويّان في الهوادة (4)، دبّوا (5) إلى قوم في هذا الأمر دبيب الزّور، و إيّاكم و السّورة العجلي، فانّ البديهة بها لا ينجب (6)، انّكم و اللّه على فعل ما لم تفعلوا اقدر منكم على ردّ ما فعلتم، الّا انّ النجاة مقرونة بالأناة، ألا ربّ احجام (7) أفضل من اقدام، و كائن من قول أبلغ من وصوله.
ثم أمسك، فأقبل عليه كرز بن سبرة الحارثي، و كان يومئذ زعيم بني الحارث بن كعب، و في بيت شرفهم، و المعصب فيهم و أمير حروبهم، فقال: لقد انتفخ (8) سحرك و استطير قلبك أبا حارثة، فظلّت كالمسبوع النزاعة الهلوع (9)، تضرب لنا الأمثال و تخوّفنا النزال (10)، لقد علمت و حقّ المنّان بفضيلة الحفاظ بالنّوء باللعب، و هو عظيم، و تلقّح (11) الحرب و هي عقيم تثقف أورد الملك الجبار و لنحن أركان الرّايس و ذي المنار الّذين
(1) نكص عن الأمر: أحجم عنه.
(2) ناجزه: بارزة و قاتله.
(3) أزمعت على أمر: أثبت عليه.
(4) الهوادة: الصلح.
(5) دبّ: مشى كالحية أو على اليدين و الرجلين كالطفل.