السيد ابن طاووس رضى الدين علي الحلي · الدروع الواقية · الصفحة الأصلية 9 / داخلي 5 من 272
صفحة
[صفحة 9]
إدراك هذه الحقائق لا يلزم الذهاب الى تأويل عزوف لجوء الانسان الى القوة الاعظم في الكون لدفع مخاوفة و صرف الاخطار عنه، بل إنّ العلم الحديث جاء ليؤكد و بشكل قاطع- أكثر مما سبق- أنّ هنالك قوة قادرة مدبّرة مبدعة تتحكّم بكل مقدّرات الكون، و أنّ كل ما يمكن أن يقال بأنّ الانسان لا يملك أمامها إلّا الاقرار بعجزه و ضعفه رغم ما بلغه من درجات عالية من الرقي و التحضّر.
كما انّ العلم الحديث قد أكّد عجز كلّ النظريات الحديثة عن فهم ماهية الانسان و حالاته المتشابكة، و حيث اخطأ مريدوها عند ما دفعوا الانسان جهلا و عمدا الى التوكّل على القوى المادية دون القوة الإلهية العظيمة، فضاع الانسان بين عقده النفسية و الروحية التي لا تعد و لا تحصى، و بين التفسيرات الخاطئة التي لا تزيده الّا خبالا و تعقيدا، و اليك العالم المادي، و هو مركز التطور العلمي و التقني، و ما يشهده من انحرافات خطيرة، و عقد شائكة، و فراغ روحي، و خوف مبطّن من المجهول، و أسئلة كثيرة و متكررة تبحث لها عن جواب دون جدوى، و دون فائدة، فلا يجد المرء و ليجة ينفذ من خلالها لحل مشكلته الراهنة الّا اللجوء الى المخدرات و الاسفاف و الاغراق في مظاهر الانحراف و التفسّخ، فلا تزيده الّا تعثّرا و تخبطا، فلا يعدّ في تصوّره من منجى الّا الموت، و لا وسيلة اليه الّا الانتحار ...، و أي مراجعة الى التقارير الرسمية و الموثّقة تبيّن بصدق هذه الحقيقة الرهيبة.
إنّ اللّه تعالى خالق الانسان و بارئه هو خير من يعلم بما يسعد هذا الانسان و ما يوصله الى بر الامان الذي فطر هذا المخلوق على طلبه و البحث عنه، و هذا الحقيقة تتبين بوضوح من خلال المطالعة اواعية لاسس النظام الاسلامي العظيم الذي جاء به رسول الرحمة محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قبل أكثر من خمسة عشر قرنا من الزمان، و ما أخذ أهل بيته الأئمة المعصومين (عليهم السلام) على عاتقهم من تركيز هذه الاسس و الدفاع عنها.