الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني · مستدرك عوالم العلوم و المعارفج 19 · الصفحة الأصلية 415 / داخلي 411 من 523
»»
[صفحة 415]
عنه عماه و جهله؛
و بالتقوى نجا نوح و من معه في السفينة، و صالح و من معه من الصاعقة؛
و بالتقوى فاز الصابرون، و نجت تلك العصب من المهالك و لهم إخوان على تلك الطريقة يلتمسون تلك الفضيلة، نبذوا طغيانهم من الإيراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات؛
حمدوا ربّهم على ما رزقهم و هو أهل الحمد، و ذمّوا أنفسهم على ما فرّطوا و هم أهل الذم، و علموا أنّ اللّه تبارك و تعالى الحليم العليم إنّما غضبه على من لم يقبل منه رضاه، و إنّما يمنع من لم يقبل منه عطاه، و إنّما يضلّ من لم يقبل منه هداه؛
ثمّ أمكن أهل السيّئات من التوبة بتبديل الحسنات، دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع، و لم يمنع دعاء عباده، فلعن اللّه الذين يكتمون ما أنزل اللّه، «و كتب على نفسه الرحمة» (1) فسبقت قبل الغضب، فتمّت صدقا و عدلا.
فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه، و ذلك من علم اليقين و علم التقوى، و كلّ أمّة قد رفع اللّه عنهم علم الكتاب حين نبذوه، و ولاهم عدوّهم حين تولّوه، و كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، و حرّفوا حدوده، فهم يروونه و لا يرعونه، و الجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، و العلماء يحزنهم تركهم للرعاية.
و كان من نبذهم الكتاب أن ولّوه الذين لا يعلمون، فأوردوهم الهوى و أصدروهم إلى الردى، و غيّروا عرى الدين، ثمّ ورثوه في السفه و الصبا، فالامّة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر اللّه تبارك و تعالى و عليه يردون؛
«فبئس للظالمين بدلا» (2) ولاية الناس بعد ولاية اللّه، و ثواب الناس بعد ثواب اللّه، و رضا الناس بعد رضا اللّه، فأصبحت الامّة كذلك، و فيهم المجتهدون في العبادة على تلك الضلالة، معجبون مفتونون، فعبادتهم فتنة لهم و لمن اقتدى بهم و قد كان في الرسل ذكرى للعابدين.