الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني · مستدرك عوالم العلوم و المعارفج 19 · الصفحة الأصلية 416 / داخلي 412 من 523
»»
[صفحة 416]
إنّ نبيّا من الأنبياء كان يستكمل الطاعة، ثمّ يعصي اللّه تبارك و تعالى في الباب الواحد (1)، فيخرج به من الجنّة، و ينبذ به في بطن الحوت، ثمّ لا ينجيه إلّا الاعتراف و التوبة، فاعرف أشباه الأحبار و الرهبان الّذين ساروا بكتمان الكتاب و تحريفه «فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين» (2).
ثمّ اعرف أشباههم من هذه الامّة الّذين أقاموا حروف الكتاب و حرّفوا حدوده فهم مع السادة و الكبرة (3)، فإذا تفرّقت قادة الأهواء كانوا مع أكثرهم دنيا، و ذلك مبلغهم من العلم (4)، لا يزالون كذلك في طبع (5) و طمع، لا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير، يصبر منهم (6) العلماء على الأذى و التعنيف، و يعيبون على العلماء بالتكليف.
و العلماء في أنفسهم خانة إن كتموا النصيحة، إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه، أو ميّتا لا يحيونه، فبئس ما يصنعون لأنّ اللّه تبارك و تعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف و بما امروا به، و أن ينهوا عمّا نهوا عنه، و أن يتعاونوا على البرّ و التقوى و لا يتعاونوا على الإثم و العدوان.
فالعلماء من الجهّال في جهد و جهاد، إن وعظت قالوا: طغت، و إن علموا (7) الحقّ الذي تركوا، قالوا: خالفت، و إن اعتزلوهم، قالوا: فارقت؛
و إن قالوا: هاتوا برهانكم على ما تحدّثون، قالوا: نافقت، و إن أطاعوهم قالوا: عصيت اللّه عزّ و جلّ.
(1)- أشار (عليه السّلام) إلى النبي يونس (عليه السّلام)، قال تعالى: «و ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظنّ أن لن نقدر عليه» الأنبياء: 87. و إطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الأولى و الأفضل، و كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، و الّا فإنّ عصمة الأنبياء أمر مفروغ منه.
قال الفيض في الوافي: 3/ 25: و لعلّ عصيانه غضبه على قومه و هربه منهم بغير إذن ربّه.
(2)- اقتباس من سورة البقرة: 16.
(3)- «الكثرة» خ ل.
(4)- إشارة إلى قوله تعالى في سورة النجم: 29- 30.
(5)- طبع فلان: لم يكن له نفاذ في مكارم الامور. و الطبع- محرّكة بالفتح-: الرين و الشين و العيب.