الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي · كنز الفوائد الجزء الثاني 2 · الصفحة الأصلية 71 / داخلي 67 من 235
»»
[صفحة 71]
الجليل ليستحق الطائعون ما سبق لهم في المعلوم و ليس نفع المخالفة بعد التبيين و التعريف و إزاحة العلة في التكليف إلا عن جان على نفسه غير ناظر في عاقبة أمره. و جواب ثان و يقال لهم لو خلق الله تعالى خلقه في الجنة لم يخل أمرهم من حالين إما أن يبيحهم الجهل به و كفر نعمته فليس بحكيم من أباح ذلك. و إما أن يأمرهم بمعرفته و شكر نعمته و الحكمة توجب ذلك فلا بد عند الأمر بالشيء من النهي عن ضده ثم لا بد من ترغيب فيما يأمر و وعد جميل على فعله و ترهيب فيما نهى عنه و وعيد على فعله. و إذا وجب الأمر و النهي و الترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد فقد حصلت حالهم كحالهم في الدنيا و وجب أن يكون للوعيد إنجاز فينتقلوا إلى دار الجزاء فقد انتهى الأمر إلى ما فعله سبحانه به مما لا يقتضي الحكمة غيره. فإن قالوا أ ليس الطائعون لا بد من مصيرهم إلى الجنة فألا كانت حالهم في الابتداء كحالهم في الثواب و الجزاء من حصول المعرفة و الشكر. قلنا لهم بين الوقتين فرق و ذلك أنهم إذا صاروا إلى الجنة بعد كونهم في الدنيا فقد تقدم لهم الأمر و النهي و ذاقوا البؤس و الآلام و عرفوا قدر النعمة و شاهدوا وقوع العقاب و الثواب بأهلها فكان ذلك يقوم لهم في الترغيب في المعرفة و الشكر و الانزجار عن تركهما مقام الأمر و النهي و الوعد و الوعيد. و لو ابتدأهم في الجنة لم يكونوا أمروا و لا نهوا و لا وعدوا و لا توعدوا و لا فعل بهم ما يقوم مقام ذلك فكان بمنزلة من أبيح له الجهل و الكفر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و لا يجوز أن يخلق فيهم المعرفة به ابتداء لأن الغائب لا يعرف بالضرورة إلا أن يحضر.