خلق عما هو عليه سواء كان ذلك المخلوق من قسم ما كان أو من
قسم ما يكون إلى يوم القيامة وما بعده لأن هذه النسب إنما يفرق
بينهما بالنسبة إلى المخلوق المحدود وأما هو تعالى فنسبة جميع الأشياء
إليه على حد سواء فهو تعالى قادر في كل حين على أن يغير جميع ما في
ملكه عما هو عليه إذا شاء ذلك وحتم عدم تغيير بعض الأشياء أو
حتم تغييره لا ينافي ذلك لأن ذلك الحتم إنما هو بالنظر إلى اقتضاء
الحكمة وهذا بالنظر إلى اقتضاء القدرة وإطلاقها فاللحاظان مختلفان
فالأشياء لا تكون بحتم عدم التغيير واجبة الوجود بل هي في كل آن
وحين محتاجة إلى خلق جديد منه تعالى سواء ألقاها على ما هي عليه
أم غيرها كابتداء صدورها بعينه ولذا رد الله سبحانه على اليهود في
قولهم : قد فرغ من الأمر وأن يده مغلولة ، فقال بل يداه مبسوطتان
ينفق كيف يشاء " وقال كل يوم هو في شأن" وقال يمحو الله
(۱)
(۳)
ما يشاء ويثبت فإذا علم الله تعالى بعض من اصطفاه علم الأشياء
مما كان وما هو كائن فهو يعلمها بذلك التعليم غير أنه يحتاج في كل
حين إلى تعليم منه تعالى جديد لعين ما علم فيما قبل لأن العالم والعلم
والمعلوم كلها ممكنة محتاجة قائمة بالغير فإن بقائها محض آن صدورها
من المبدأ لا أزيد ومعلوماته بالنسبة إلى قدرة الله المطلقة في معرض
التغير عما هي عليه وعدمه فيما بعد حصول العلم بها فهو لا يعلم
منها إلا ما هو موجود في الكون حال العلم سواء كان ذلك الموجود
(١) المائدة ٦٤
(۲) الرحمن: ۲۹
(۳) الرعد: ٣٩