علمنا أن كل جسد من تنزل روحه الخاص به وإلا لما كان تعلقه بذلك
الجسد أولى من تعلقه بجسد آخر مغاير له في الحدود والمشخصات،
والفعل من الحكيم جار على وفق الحكمة الطبيعية لا على التهافت أو
الجبر والقسر، فكل روح وجسده بينهما مناسبة ذاتية هي سبب تعلقه
به إذا تمت البنية الجسمانية كالمغناطيس والحديد وكالدخان المتصل
من الفتيلة المنطفية بالسراج الجاذب لتعلق شعلة منه بالفتيلة إن كنت
جربته، ثم إن كل جسد مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة كما هو
محسوس في الطبيعي المكتوم الذي هو أصح العلوم وأمها فإن أهله
يحللون الجسد ويستخرجون منه أجزاء نارية وأجزاء هوائية وأجزاء
مائية وأجزاء أرضية.
إذا تمهدت هذه المقدمات فنقول لا ريب أن الجسد والروح إذا
كان بينهما مناسبة ذاتية لم يقتضيا بذاتهما المفارقة وقد عرفت أن فعل
الحكيم تعالى جار على وفق الحكمة وإجراء الأمور بالأسباب، فلا بد
لفراق الروح من الجسد من سبب وقد اختلف قول الناس في تعيين
ذلك السبب ولسنا بصدد تفصيله وترنيفه، والذي صدر من معدن
الوحي أن سبب فراقه تخلل الآلات الجسمانية واختلاف المتولدات
كما في حديث أمير المؤمنين الام في النفس الناطقة والحيوانية في
جواب الأعرابي، وبيان ذلك ما تقرر في الطبيعي المكتوم من أن العلة
في مفارقة الأرواح للأجساد وتفرق أجزاء الجسد وتفتتها بتسليط
النيران والأهوية والأتربة والمياه عليها عروض وامتزاج أجزاء