وإن أراد به أن الله جعل العقول آلة لمعرفة ما يلقى إليها من ذلك بألسنة
حججه الناطقة من الآيات والبيانات فيعرفها العقل ويأمر المكلف بقبولها
سواء أطاعه أم عصاه وهو معنى إكمال الحجج على الناس بالعقول ومعنى
أنها الرسل الباطنية وأن الله بها يثيب وبها يعاقب فهي قبل سماع البيان
محض استعداد وتهيؤ لا تعرف شيئا من تلك الأمور الحقة الدينية بالفعل
بمعنى عدم تمييزها بين الحق والباطل فمثلها حينئذ كمثل الزيت القابل
للاشتعال ولكنه لا يشتعل بنفسه ما لم تمسسه نار وإن كانت مراتب الزيت
متفاوتة في الاستعداد أيضا كالعقول ، فالمرجع والميزان في معرفة الحق
والباطل بيانات الرسل الظاهرة ، وإنما حجية العقول بتبعية النواميس
الإلهية فإن أراد هذا المعنى فهذا ما كنا نبغي فلا معنى لاعتراضه المذكور
إذ على هذا يجب على العقول اتباع ما يرد عليها من النواميس ، فإن عرفته
قبلته وآمنت به على التفصيل وإن لم تعرفه لقصور استعدادها من معرفة
بعض المعاني العالية فإن عرفت صدورها عن معادن الوحي على سبيل
القطع فيجب لها التسليم به على سبيل الإجمال وتركه في سنبله وعدم
التعرض لتأويله وتفصيله وإن لم تعرف صدوره على القطع بأن لم يتبين
له ذلك فلا يجوز لها أن تنكره وتطرحه بمجرد عدم فهمها لمعناه لأن الله
لم يجعل غير المعصوم حجة على الخلق ولا على نفسه إلا بعد البيان من
المعصوم بل يجب لها السكوت ورد علمه إلى الله والراسخين في العلم إذ
لعل بالحجاز أو باليمامة من يعرفه ويعرف مورده و مصدره بما راض نفسه