حال حجية العقول الناقصة وأنها ليست بحاكمة على الكتاب والسنة
وإنما الكتاب والسنة هما الحاكمان عليها، فكلما حكم به الكتاب والسنة
يجب على العقول اتباعه والتصديق به وإن لم تعرف وجهه وحقيقته على
التحقيق إذ ليس كل أمر حق مما تدركه عقولنا الضعيفة، إذ كم من
خبايا في زوايا قد قصرت عن معرفتها أحلام الحكماء البالغين فضلا
عن غيرهم من القاصرين، نعم إذا حكمت جميع العقول على سبيل
الاتفاق على إثبات شيء أو نفيه فهو حق ولا يكون مثل ذلك الأمر
مما يكون فيه الكتاب والسنة مخالفين للعقول وإن ورد فيهما ما ظاهره
المخالفة فلا بد أن يكون فيهما ما ينفيه ويشير إلى وجه التأويل فيه لأن
الكتاب والسنة إنما نصبا للهداية لا للإضلال والإغراء بالجهل وهما
معصومان من الخطأ والسهو والغفلة.
وأما الأمور النظرية التي ربما تختلف فيها العقول باختلاف أنظارها
وترتيبها للقياسات النظرية فالواجب فيها الرجوع إلى محكمات الكتاب
والسنة وجعلهما حاكمين بين العقول ليميزا بين المصيب منها والمخطئ
ببيان لائح لا يحتمل التأويل والاشتباه فقول الفاضل المذكور أن المعول
فيما يعتقد على الأدلة العقلية إن أراد بها ما اتفقت العقول عليه بحيث
قد صار ضروريا عندها فهو حق ولكن لا بد حينئذ من موافقة محكم
الكتاب والسنة لها فحينئذ يرد متشابهها إلى ذلك المحكم المجمع على
تأويله وإن أراد بها الأدلة النظرية أيضا فهو على إطلاقه غير سديد