أقول : إن أمر أم المؤمنين هذه وأمر أبيها عجيب فإن أباها أخذ فدكا من
فاطمة بدعوى أن النبي قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه
صدقة ، ثم تأتي ابنته من بعده وتقول : نحوا ابنكم عن بيتي ، وما أدري
أي الحديثين أكذب، فإن قال قائل : لعلها إنما قالت ذلك نظرا إلى حقها من
صلى الله عليه وآله سبيل كونها من جملة المسلمين لا من جهة التوارث عن النبي
قلنا : هذا أن ظاهر الواقعة تأباه ويعطي الخصم حجة أقوى
مع
من سابقها، وهي أن الموضع إذا كان لجميع المسلمين، فقد دفن أبوها
وفاروقه فيه بغير حق قطعا ضرورة عدم تحقق الإذن من جميع المسلمين
في ذلك وكيف لا وكثير منهم كانوا متفرقين في البلاد والبراري والقفار
بحيث لا يمكن تحصيل الإذن من كل واحد منهم ولو أتى على ذلك
سنون فكيف مجال الدفن الذي ما كان إلا عشية أو ضحاها والحاضرون
أيضا ، وإن كان الاستئذان منهم ممكنا في الجملة ، أعني بعد الإعراض
عن بعض المداقات الفلسفية بل والشرعية ، غير أنه لم يعهد ولم ينقله
مع كونه من الوقائع التي تقضي العادة بنقلها لنقلهم ما هو أهون
أحد
منها كثيرا ، فكيف بها هذا وفي المسلمين من كان لا يرضى بمشيهما على
ظهر الأرض ، فكيف يرضى هو بدفنهما في بطنها ، ولا سيما إذا كان له
فيها حق الاستئذان على أي نحو أخذ غير ممكن الحصول جدا ، واحتمال
البيت لهما في حياته من الاحتمالات السفسطية التي
صلى الله عليه وآله
تمليك النبي
لا يعتمد على أمثالها أهل العقول السليمة؛ لكون الدواعي قائمة على