بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الخامس 5 · صفحة 212 من 399

صفحة
[صفحة 176]

في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم و ذلك بعد ما بلغهم ما تقوم به الحجة و تنقطع به المعذرة و بعد ما علم الله تعالى أنهم لا ينتفعون بسماعه و لا يؤمنون به فشبه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم و بوقر آذانهم لأن ذلك كان يمنعهم من التدبر كالوقر و الغطاء و هذا معنى قوله تعالى‏ وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً و يحتمل ذلك وجها آخر و هو أنه تعالى يعاقب هؤلاء الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفقهوا ما يستمعونه و يحتمل أيضا أن يكون سمى الكفر الذي في قلوبهم كنا تشبيها و مجازا و إعراضهم عن القرآن وقرا توسعا لأن مع الكفر و الإعراض لا يحصل الإيمان و الفهم كما لا يحصلان مع الكن و الوقر و نسب ذلك إلى نفسه لأنه الذي شبه أحدهما بالآخر كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان و ذكر مناقبه جعلته فاضلا و بالضد إذا ذكر مقابحه و فسقه يقول جعلته فاسقا (1) و قال الزمخشري في قوله تعالى‏ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى‏ أي بأن يأتيهم بآية ملجئة و لكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة.


و قوله تعالى‏ لِيَمْكُرُوا فِيها قال الطبرسي (رحمه الله ) اللام لام العاقبة و قال الزمخشري معناه خليناهم ليمكروا و ما كففناهم عن المكر و كذا قال اللام لام العاقبة في قوله تعالى‏ لِيَقُولُوا أي عاملناهم معاملة المختبر ليشكروا أو يصبروا فآل أمرهم إلى العاقبة. و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله تعالى‏ وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ‏ وجهين.


____________


(1) أوردنا قبلا معنى الآية عن التبيان. و لنذكر هنا ما عن الرضى (رحمه الله ) في كتابه مجازات القرآن قال: و هذه استعارة و ليس هناك على الحقيقة شي‏ء ممّا أشاروا إليه، و إنّما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن و بواقع البيان فكأنهم من قوة الزهادة فيه و شدة الكراهية له قد وقرت أسماعهم عن فهمه، و أكنت قلوبهم دون علمه، و ذلك معروف في عادة الناس أن يقول القائل منهم لمن يشنأ كلامه و يستثقل خطابه: ما أسمح قولك و لا أعى لفظك و إن كان صحيح حاسة السمع، الا أنّه حمل الكلام على الاستثقال و المقت، و على هذا قول الشاعر:

و كلام سيئ قد وقرت‏* * * اذنى عنه و ما بى من صمم.


التالي ص 212/399 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...