تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الخامس 5 · صفحة 213 من 399
صفحة
[صفحة 177]
أحدهما أنه يقلبهما في جهنم على لهب النار و حر الجمر كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا و الآخر أن المعنى يقلب أفئدتهم و أبصارهم بالحيرة التي تغم و تزعج النفس.
و قال الزمخشري وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ نَذَرُهُمْ عطف على لا يُؤْمِنُونَ داخل في حكم و ما يشعركم أنهم لا يؤمنون و ما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم و أبصارهم أي نطبع على قلوبهم و أبصارهم فلا يفقهون و لا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أولا لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعا على قلوبهم و ما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم و شأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه. (1)
و قال في قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي مشية إكراه و اضطرار.
و قال الطبرسي (رحمه الله ) في قوله كَذلِكَ جَعَلْنا وجوه أحدها أن المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن و الإنس و متى أمر الله رسوله بمعاداة قوم من المشركين فقد جعلهم أعداء له.
و ثانيها أن معناه حكمنا بأنهم أعداء و أخبرنا بذلك ليعاملوهم معاملة الأعداء في الاحتراز عنهم و الاستعداد لدفع شرهم و هذا كما يقال جعل القاضي فلانا عدلا و فلانا فاسقا إذا حكم بعدالة هذا و فسق ذاك.
و ثالثها أن المراد خلينا بينهم و بين اختيارهم العداوة لم نمنعهم على ذلك كرها و لا جبرا لأن ذلك يزيل التكليف.
و رابعها أنه سبحانه إنما أضاف ذلك إلى نفسه لأنه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل و أمرهم إلى دعائهم إلى الإسلام و الإيمان و خلع ما كانوا يعبدونه من الأصنام و الأوثان نصبوا عند ذلك العداوة لأنبيائه و مثله قول نوح(ع)فلم يزدهم دعائي إلا فرارا و قال و العامل في قوله وَ لِتَصْغى قوله يُوحِي و لا يجوز أن يكون العامل
____________
(1) و هذه استعارة، لان تقليب القلوب و الابصار على الحقيقة بازالتها عن مواضعها و إقلاقها عن مناصبها لا يصحّ، و البنية صحيحة و الجملة حية متصرفة، و إنّما المراد- و اللّه أعلم- أنا نرميها بالحيرة و المخافة جزاء على الكفر و الضلالة فتكون الافئدة مسترجعة لتعاظم أسباب المخاوف و تكون الابصار منزعجة لتوقع طلوع المكاره. و قد قيل: إن المراد بذلك تقليبهما على مرامض الجمر في نار جهنم و ذلك يخرج الكلام عن حيز الاستعارة إلى حيز الحقيقة؛ قاله الرضى رضي اللّه عنه.