تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الرابع والخمسون 54 · صفحة 345 من 487
صفحة
[صفحة 259]
الاعتقادية بوجه لا يقبل التأويل أصلا كما قال الإمام الرازي لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي(ص)و إنكار الحشر الجسماني فإنه قد ورد من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا.
و أقول لا يمكن الجمع بين قدم العالم و الحشر الجسماني أيضا لأن النفوس الناطقة لو كانت غير متناهية على ما هو مقتضى القول بقدم العالم (1) امتنع الحشر الجسماني عليهم لأنه لا بد في حشرهم جميعا من أبدان غير متناهية و أمكنة غير متناهية و قد ثبت أن الأبعاد متناهية ثم التأويلات التي يتمحلونها في كلام الأنبياء عسى أن يتأتى مثلها في كلام الفلاسفة بل أكثر تلك التأويلات من قبيل المكابرات للسوفسطائية فإنا نعلم قطعا أن المراد من هذه الألفاظ الواردة في الكتاب و السنة هي معانيها المتعارفة عند أهل اللسان فإنا كما لا نشك في أن من يخاطبنا بالاستفسار عن مسألة الجزء الذي لا يتجزأ لا يريد بذلك الاستفسار عن حال زيد مثلا في قيامه و قعوده كذلك لا نشك في أن المراد بقوله تعالى قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ هو هذه المعاني الظاهرة لا معنى آخر من أحوال المعاد الروحاني الذي يقول به الفلاسفة و بالجملة فنصوص الكتاب يجب الحمل على ظاهرها و التجاوز عن هذا النهج غي و ضلال و التزامه طريق أهل الكمال انتهى.
و لقد أحسن و أجاد لكن ما يظهر من كلامه من أن النصوص الواردة في الحدوث قابلة للتأويل البعيد ليس كذلك بل إن كان بعضها قابلا فالمجموع يفيد القطع بالمقصود و لعله إنما قال ذلك لعدم اطلاعه على نصوص أئمة الهدى(ع)أو لعدم اعتقاده بها كما هو ظاهر حاله و إن أشعر بالتدين بالحق في بعض المواضع.
و أما منافاة القول بالقدم مع الحشر الجسماني فإنما يتم لو ذهبوا إلى عدم تناهي
____________
(1) لا ملازمة بين القول بقدم العالم و بين القول بقدم النوع الانسانى كما لا يخفى، نعم ظاهر ما حكى عن بعض قدماء الفلاسفة قدم جميع الانواع و انكار الحشر الجسماني.