تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الرابع والخمسون 54 · صفحة 396 من 585
صفحة
[صفحة 1] و وجود الواجب سبحانه أمر ثابت لا يتصور فيه شائبة تدريج و انقسام فأي مناسبة بينه و بين ما ينتزع منه فجوابه أن ما ادعيت من لزوم تحقق المناسبة بين كل انتزاعي و منشإ انتزاعه حكم غير بين و لا مبين و لئن سلمنا لزومه فهو لا ينحصر فيما نفهمه من الزمان من معنى التجدد و الاتصال و لعله تتحقق مناسبة ما بينهما من جهة أخرى خفية عن إدراكنا و عدم الوجدان لا يعطي العدم أ لا ترى أن أكثر الانتزاعيات كالزوجية و الفردية و الفوقية و التحتية و غيرها ينتزع من محالها و لا يحكم وجداننا بتحقق مناسبات تفصيلية بين كل منتزع و ما ينتزع منه و ذلك إما لعدم لزوم تحققها في الواقع أو لعدم اطلاعنا على تفاصيلها و أيا ما كان فليكن الأمر فيما نحن بصدده كذلك على أنه يرد مثل ذلك على الفلاسفة أيضا إذ الزمان و الحركة بمعنى القطع منتزعان عندهم من الآن السيال و الحركة التوسطية مع مباينتهما فيما ذكره المورد من الأوصاف. (1)
____________
(1) لا ريب في عدم ثبوت واسطة بين الوجود و العدم و لا احتمله أحد من الخاصّة، و هذا لعمرى من الواضحات بل البديهيات، و ان تفوه بعض متكلمى العامّة بثبوت الواسطة و قال بالاحوال و الثابتات! و كيف كان فلا يظن بالمؤلّف- (رحمه اللّه)- مخالفته لجميع الاصحاب، و موافقته للمعتزلة في هذا الباب، فمعنى ما ذكره من كون الأمور الانتزاعية غير موجودة في الخارج و لا معدومة صرفة انها عناوين ذهنية يتوسل بها إلى درك الحقائق الخارجية، فهى موجودة في الذهن معدومة في الخارج و لا تتعدى حدّ الذهن ابدا و ليست كالماهيات الحقيقية التي تتحد في الخارج مع الوجود الخارجى و في الذهن مع الوجود الذهني لكن لها منا شيء انتزاع حقيقية خارجية متناسبة معها، و لا يمكن انتزاع عنوان من شيء الا لاجل تلك المناسبة و الا لامكن انتزاع كل شيء من كل شيء، و كذا لا يمكن للعقل انتزاع عنوان من شيء لا يدرك مناسبته لذلك العنوان لان الانتزاع فعل العقل و العقل انما يفعل ما يدرك، فلا يكفى فرض مناسبة خفية عن ادراكه و هو بمكان من الوضوح، و على هذا فلو فرض كون الزمان امرا انتزاعيا فلا محيص عن الالتزام بادراك العقل مناسبته مع منشأ انتزاعه، و المعنى الذي يحكى عنه لفظة «الزمان» هو أمر تدريجى لا يكاد يوجد جزءان منه معا، فهل له مناسبة الا مع الحركة التي هي أيضا كذلك؟ و هل له مناسبة مع ذات البارئ سبحانه التي لا يتطرق إليها تغير و تدرج، و نقص و قصور، و زوال و دثور؟ سبحان اللّه عما يصفون. و سيأتي من المؤلّف- ره- الاستظهار من روايات كثيرة جدا ان اللّه تعالى غير مقارن للزمان اصلا، و ان الزمان من المقادير، و ان حدوث العالم ليس بمعنى سبق زمان عليه.