بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الرابع والخمسون 54 · صفحة 9 من 487

صفحة
[صفحة 8]

و قال بعض الصوفية للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد و للمكان‏


____________


السماء الأولى، قال تعالى‏ «وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ» و قال تعالى‏ «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ».


و اما الأيّام فالمتيقن انه لم يكن قبل خلق الأرض يوم بمعناه المشهور، اعنى ما يحصل من حركة الأرض الوضعية، لان هذا المعنى انما يمكن فرضه بعد وجود ارض متحركة: فالمراد بها اما ساعات مساوية لها، او مقادير اخرى من الزمان اعتبرت أياما بعناية، كما يطلق الايام على السنين و الاعوام بل على القرون و الاحقاب و هو استعمال شائع. و على أي تقدير فان قيل بوجود الزمان قبل خلق السماوات و الأرض فلا بدّ من الالتزام بوجود جسم متحرك بحركة جوهرية او عرضية قبلها- و قد مر استظهار وجود الماء عندئذ- و الا فمعنى وقوع خلق السماوات و الأرض في تلك الأزمنة مقارنته لها، و يكفى في المقارنة كونها بحركتها راسمة للزمان.


و أمّا القول بان الزمان امر موهوم منتزع من بقاء ذات البارى سبحانه فان أريد ان ذاته تعالى منشأ لانتزاعه ففيه مضافا الى انه ينافى مخلوقيته ان الزمان امر سيال متصرم و حقيقته التجدد و التغير و ما هذا شانه يستحيل انتزاعه ممّا لا سبيل للتغير إليه بوجه، و كذلك القول بانتزاعه من الملائكة أو الأرواح، الا أن يقال بكونها اجساما قابلة للحركة فتصير كسائر الاجسام في صحة انتزاع الزمان من حركتها فتأمل. و ان أريد انه امر موهوم لا اثر منه في الخارج اصلا فلا يمكن اناطة الأبحاث الحقيقية كبحث القدم و الحدوث الزمانيين و غيره من الأبحاث الهامة: مع انه بناء عليه لا يبقى فرق حقيقي بين الحوادث الماضية و الآتية! و سيأتي الكلام فيه.


و اما الكلام في وقوع الخلق مقارنا للايام الستة فالذى يظهر من الآيات الشريفة ان المراد بالخلق ليس هو الاحداث الدفعى بل المراد الايجاد التدريجى، قال تعالى‏ «هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»* و قال‏ «خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ» و قال‏ «وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ» و الظاهر أنّه ليس المراد بهذه الأربعة أيّاما اخرى غير اليومين الاولين، و الا لما بقى لخلق السماوات شي‏ء من ستة أيّام، و هو تعالى يقول بعيد هنا «فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ» فخلق الأرض و اكمالها الى ان تستعد لوجود الرواسى و تهيئة الاقوات كل ذلك وقع في أربعة أيام، الا أن يقال بتداخل أيّام خلق السماوات في أيام خلق الأرض و وقوع خلق السماوات مقارنا ليومين من أيّام خلق الأرض و كيف كان فيشبه ان يكون المراد بالايام التي خلقت فيها الأرض الادوار التي مرت عليها من حين احداثها الى ان صارت على حالها هذه و استعدت لنشوء الموجود الحى فيها، فينطبق على ما ذكره علماء «الجيولوجيا» في ادوار الأرض بعض الانطباق. و أن يكون المراد باليومين اللذين خلق فيهما السماوات الدورتين اللتين مرتا عليها أعنى الدورة التي كانت مرتتقة غير متميزة، و الدورة التي فتقت و سويت سبع سماوات متميزة. و سيأتي نقلا عن تفسير القمّيّ ان المراد باربعة أيّام الفصول الأربعة لانها التي يخرج اللّه تعالى فيها اقوات الناس و البهائم و سائر الحيوانات و اللّه العالم.

التالي ص 9/487 — الأصلية 8 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...