تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس والخمسون 56 · صفحة 190 من 458
صفحة
[صفحة 164]
أن مخلوقات الله نوعان نوع عالم الجسمانيات و أعظمها السماوات و عالم الروحانيات و أعظمها الملائكة فبين سبحانه كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات فقال تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَ (1) ثم انتقل إلى ذكر الروحانيات فقال وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ و الجواهر الروحانية لها تعلقان تعلق بعالم الجلال و الكبرياء و هو تعلق القبول فإن الأضواء الصمدية إذا شرقت على الجواهر الروحانية استضاءت جواهرها و أشرقت ماهياتها ثم إن الجواهر الروحانية إذا استفادت تلك القوى الربانية (2) قويت بها على الاستيلاء على عالم (3) الجسمانيات و إذا كان كذلك فلها وجهان وجه إلى حضرة الجلال و وجه إلى عالم الأجسام و الوجه الأول أشرف من الثاني إذا عرفت هذا فنقول أما الجهة الأولى و هي الجهة المقدسة العلوية فقد اشتملت على أمرين أحدهما التسبيح و الثاني التحميد لأن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي و التحميد عبارة عن وصفه بكونه معطيا (4) لكل الخيرات و كونه منزها في ذاته عما لا ينبغي مقدم بالرتبة على كونه فياضا للخيرات و السعادات لأن وجود الشيء (5) و حصوله في نفسه مقدم على تأثيره في حصول غيره فلهذا السبب كان التسبيح مقدما على التحميد و لهذا قال يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ و أما الجهة الثانية و هي الجهة التي لتلك الأرواح إلى عالم الجسمانيات فالإشارة إليها بقوله وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ و المراد منها تأثيراتها في نظم أحوال هذا العالم و حصول الطريق الأصوب فيها (6) انتهى. و استدل بالآية على عصمة الملائكة لأنهم لو كانوا مذنبين كانوا يستغفرون
____________
(1) الشورى: 5.
(2) في المصدر: الروحانية.
(3) في المصدر: عوالم.
(4) في المصدر: مفيضا.
(5) في المصدر: وجود الشيء مقدم على ايجاد غيره و حصولة ...