فهذان الخبران يدلان على أنهم لم يتخلعوا من الإنسانية و كان فيهم العقل و الشعور إلا أنهم كانوا لا يقدرون على التكلم.
قال النيسابوري في قوله سبحانه كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (1) عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع و الختم لا أنه مسخ صورهم و هو مثل قوله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (2).
و احتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس فإذا أبطله و خلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنسانا و إيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قردا و أيضا لو جوزنا ذلك لم نؤمن في كل ما نراه قردا و كلبا أنه كان إنسانا عاقلا و ذلك شك في المشاهدات.
و أجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن و الهزال فهو أمر وراء ذلك إما جسماني سار في جميع البدن أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ أو مجرد كما تقوله الفلاسفة و على التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل و هذا هو المسخ و بهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول(ص)و لأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة و الصورة و العقل و الفهم باق فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة و تشويه الصورة و عدم القدرة على النطق و سائر الخواص الإنسانية فيتألمون بذلك و يتعذبون ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله و إن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا الكل سائر (3) عقلا إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم