تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 19 من 405
صفحة
[صفحة 17]
عالما قادرا على سبيل الاستقلال فوجب أن لا يكون الإنسان الواحد حيوانا واحدا بل أحياء عالمين قادرين و حينئذ لا يبقى فرق بين الإنسان الواحد و بين أشخاص كثيرين من الناس ربط بعضهم بالبعض بالسلسلة لكنا نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لأني أجد ذاتي ذاتا واحدة و حيوانا لا حيوانات كثيرين و أيضا فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيوانا واحدا على حدة فحينئذ لا يكون لكل واحد منها خبر عن حال صاحبه فلا يمتنع أن يريد هذا الجزء أن يتحرك إلى هذا الجانب و يريد الجزء الآخر أن يتحرك إلى الجانب الآخر فحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الإنسان الواحد كما يقع بين الشخصين و فساد ذلك معلوم بالبديهة و أما الثاني فلأنه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة و ذلك معلوم البطلان بالضرورة مع أنه يعود المحذور السابق أيضا.
و منها أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم و ذلك يدل على أن النفس ليست جسما و تقرير هذه المنافاة من وجوه الأول أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة الأولى عنه زوالا تاما مثاله أن البصر إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع و التدوير إلا بعد زوال الشكل الأول عنه ثم إنا وجدنا الحال في قبول النفس لصور المعقولات بالضد من ذلك فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية البتة يعسر قبولها لشيء من الصور العقلية فإذا قبلت صورة واحدة كان قبولها للصورة الثانية أسهل و إذا قبلت الصورة الثانية صار قبولها للصورة الثالثة أسهل ثم إن النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف البتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر كان قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل و أسرع و لهذا السبب يزداد الإنسان فهما و إدراكا كلما ازداد تخريجا و ارتياضا للعلوم فثبت أن قبول النفس للصورة العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة و ذلك يوهم أن النفس ليست بجسم.
و الثاني أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر في النفس و أثر في البدن أما