تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 230 من 405
صفحة
[صفحة 202]
الأول أن الصورة المنطبقة (1) في النفس الناطقة الفائضة من جانب المبادئ العالية لما فاضت على غاية الجلاء و الوضوح صارت تلك القوة مانعة للخيال عن التصرف فيها كما أن الصور المحسوسة المأخوذة من الخارج إذا كانت في غاية القوة فحينئذ يقوى على منع القوة المتخيلة من التصرف في تلك الصورة بالتغيير و التبديل.
النوع الثاني أن النفوس التي ليس لها من القوة ما يقوى على الاتصال بعالم الغيب في حال اليقظة فربما استعانت في حال اليقظة بما يدهش الحس و يحير الخيال كما يستعين بعضهم بشد حثيث و بعضهم بتأمل شيء شفاف أو برق لامع يورث البصر ارتعاشا فإن كل ذلك مما يدهش الخيال فيستعد النفس بسبب حيرتها و انقطاعها في تلك اللحظة عن تدبير البدن لانتهاز فرصة إدراك الغيب و الشرط في هذا أن يكون ذلك الإنسان ضعيف العقل مصدقا لكل ما يحكى له من مسيس الجن مثل الصبيان و النسوان و البله فهؤلاء إذا ضعفت حواسهم و كانت أوهامهم شديدة الانجذاب إلى مطلوب معين فحينئذ يقع لنفوسهم التفات في تلك اللحظة إلى عالم الغيب و يتأمل ذلك المطلوب فتارة يسمع خطابا و يظن أنه جني و تارة تتراءى له صور مشاهدة فيظن أنها من إخوان الجن فيلقي إليه من الغيب ما ينطق به في أثناء الغشي فيأخذه السامعون و يبنون عليه تدابيرهم في مهماتهم فهذا ما قرره الشيخ الرئيس في هذا الباب.
و اعلم أن الأصل في جملة هذه التفاريع أمران الأول أن يقال هذه الصور التي تشاهدها الأنبياء و الأولياء و غيرهم ليست موجودة في الخارج لأنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يدركها كل من كان له سليم الحس إذ لو جوزنا أن لا يحصل الإدراك مع حصول هذه الشرائط لجاز أن تكون بحضرتنا جبال و رعود و نحن لا نراها و لا نسمعها و ذلك يوجب السفسطة و لا يخفى أن الجهالات التي ألزمتموها على هذا القول هي على قولكم ألزم و ذلك لأنا لو جوزنا أن يرى الإنسان صورا و يشاهدها و يتكلم معها و يسمع أصواتها و يرى