تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس 6 · صفحة 145 من 512
صفحة
قال الله تعالى حكاية عن العرب أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (3) يعنون إذا هلكنا فيها و كأن المعنى في قوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ما قدمناه وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ ما وصفناه و المعنى في قوله يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً يريد سلبه التوفيق عقوبة له على عصيانه و منعه الألطاف جزاء له على إساءته فشرح الصدر ثواب الطاعة بالتوفيق و تضييقه عقاب المعصية بمنع التوفيق و ليس في هذه الآية على ما بيناه شبه لأهل الخلاف فيما ادعوه من أن الله تعالى يضل عن الإيمان و يصد
____________
(1) الأعراف: 43.
(2) القمر: 47.
(3) الم السجدة: 10.
[صفحة 93]
عن الإسلام و يريد الكفر و يشاء الضلال و أما قوله تعالى وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً فالمراد به الإخبار عن قدرته و أنه لو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان و يحملهم عليه بالإكراه و الاضطرار لكان على ذلك قادرا لكنه شاء تعالى منهم الإيمان على الطوع و الاختيار و آخر الآية يدل على ما ذكرناه و هو قوله أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (1) يريد أن الله قادر على إكراههم على الإيمان لكنه لا يفعل ذلك و لو شاءه لتيسر عليه و كل ما يتعلقون به من أمثال هذه الآية فالقول فيه ما ذكرناه أو نحوه على ما بيناه و فرار المجبرة من إطلاق القول بأن الله يريد أن يعصى و يكفر به و يقتل أولياؤه إلى القول بأنه يريد أن يكون ما علم كما علم و يريد أن يكون معاصيه قبائح منهيا عنها وقوع فيما هربوا منه و تورط فيما كرهوه (2) و ذلك أنه إذا كان ما علم من القبيح كما علم و كان تعالى مريدا لأن يكون ما علم من القبيح كما علم فقد أراد القبيح و أراد أن يكون قبيحا فما معنى فرارهم من شيء إلى نفسه و هربهم من معنى إلى عينه فكيف يتم لهم ذلك مع أهل العقول و هل قولهم هذا إلا كقول إنسان أنا لا أسب زيدا لكني أسب أبا عمرو و زيد هو أبو عمرو و كقول اليهود إذ قالوا سخرية بأنفسهم نحن لا نكفر بمحمد(ص)لكنا نكفر بأحمد فهذا رعونة (3) و جهل ممن صار إليه.