تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس 6 · صفحة 224 من 399
صفحة
[صفحة 187]
و قال في قوله تعالى وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها أي بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الإقرار بالتوحيد و لكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف قال الجبائي و يجوز أن يكون المراد به و لو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا من الرد إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أن أجازيهم بالعقاب و لا أردهم و قيل معناه و لو شئنا لهديناهم إلى الجنة وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي الخير و الوعيد لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ أي من كلا الصنفين بكفرهم.
و قال في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ أي ينفع بالإسماع من يشاء أي يلطف له و يوفقه وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي إنك لا تقدر على أن تنفع الكفار بإسماعك إياهم إذ لم يقبلوا كما لا يسمع من في القبور من الأموات.
و قال في قوله تعالى لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ أي وجب الوعيد و استحقاق العقاب عليهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ و يموتون على كفرهم و قد سبق ذلك في علم الله و قيل تقديره لقد سبق القول على أكثرهم أنهم لا يؤمنون و ذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا يؤمنون فحق قوله عليهم إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ يعني أيديهم كنى عنها و إن لم يذكرها لأن الأعناق و الأغلال يدلان عليهما و اختلف في معنى الآية على وجوه أحدها أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل و تقديره مثل هؤلاء المشركين في إعراضهم عما تدعوهم إليه كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير و رجل طامح برأسه لا يبصر موطئي قدميه.
و ثانيها أن المعنى كان هذا القرآن أغلالا في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لاستماعه و تدبره لثقله عليهم و ذلك أنهم لما استكبروا عنه و أنفوا من اتباعه و كان المستكبر رافعا رأسه لاويا عنقه شامخا بأنفه لا ينظر إلى الأرض صاروا كأنما غلت أيديهم إلى أعناقهم و إنما أضاف ذلك إلى نفسه لأن عند تلاوة القرآن عليهم و دعوته إياهم صاروا بهذه الصفة.
و ثالثها أن المعني بذلك أناس من قريش هموا بقتل النبي(ص)فغلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه أبدا.