بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس 6 · صفحة 225 من 399

صفحة
[صفحة 188]

و رابعها أن المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله‏ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ‏ فَهُمْ مُقْمَحُونَ‏ أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم و رفعت الأغلال أذقانهم و رءوسهم صعدا فهم مرفوع الرأس برفع الأغلال إياها و المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه‏ وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ (1) هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الإيمان و قبول الحق و ذلك عبارة عن خذلان الله إياهم لما كفروا فكأنه قال و تركناهم مخذولين فصار ذلك‏


____________


(1) قال الرضى (رحمه الله ): و هاتان استعارتان، و من أوضح الأدلة على ذلك أن الكلام كله في أوصاف القوم المذمومين، و هم في أحوال الدنيا دون الآخرة، ألا ترى قوله تعالى بعد ذلك: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» و إذا كان الكلام محمولا على أحوال الدنيا دون الآخرة و قد علمنا أن هؤلاء القوم الذين ذهب الكلام اليهم كان الناس يشاهدونهم غير مقمحين بالاغلال و لا مضروبا عليهم بالاسداد علمنا أن الكلام خرج مخرج قوله سبحانه: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ» الخ فكان ذلك وصف لما كان عليه الكفّار عند سماع القرآن من تنكيس الأذقان ولى الاعناق ذهابا عن الرشد، و استكبارا عن الانقياد للحق، و ضيق صدورهم بما يرد عليهم من صوادع البيان و قوارع القرآن؛ و قد اختلف في معنى الاقماح فقال قوم: هو غض الابصار و استشهدوا بقول بشر بن أبي حازم في ذكر السقيفة:

و نحن على جوانبها قعود* * * نغض الطرف كالابل القماح‏


. و قال قوم: المقمح الرافع رأسه صعدا فكان هؤلاء المذمومين شبهوا على المبالغة في وصف تكارههم للايمان، و تضايق صدورهم لسماع القرآن بقوم عوقبوا فجذبت أعناقهم بالاغلال إلى صدورهم مضمومة إليها أيمانهم ثمّ رفعت ليكون ذلك أشدّ لإيلامهم و أبلغ في عذابهم. و قيل: إن المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه، فكانه جامع بين الصفتين جميعا. و قيل: إن قوله تعالى: «فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ» يعنى به أيمانهم المجموعة بالاغلال الى أعناقهم، فاكتفى بذكر الاعناق من الايمان، لان الاغلال تجمع بين الايمان و الاعناق، و كذلك معنى السد المجعول بين أيديهم و من خلفهم انما هو تشبيه بمن قصر خطوه، و اخذت عليه طرقه، و لما كان ما يصيبهم من هذه المشاق المذكورة و الأحوال المذمومة انما هو عقيب تلاوة القرآن عليهم، و نفث قوارعه في أسماعهم حسن أن يضيف سبحانه الى نفسه فيقول:


انا جعلناهم على تلك الصفات. و قد قرئ سدا بالفتح و سدا بالضم، و قيل: إن السد بالفتح ما يصنعه الناس، و بالضم: ما يصنعه اللّه تعالى. و قال بعضهم: المراد بذكر السد هاهنا الاخبار عن خذلان اللّه اياهم و تركه نصرهم و معونتهم، كما تقول العرب في صفة الضال المتحير: فلان لا ينفذ في طريق يسلكه، و لا يعلم أمامه أم وراءه خير له. و أمّا قوله سبحانه: «فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» فهو أيضا في معنى الختم و الطبع، و واقع على الوجه الذي يقعان عليه، و قد تقدم ايماؤنا إليه.


التالي ص 225/399 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...