تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس 6 · صفحة 238 من 422
صفحة
[صفحة 183]
الداخلة على بعض المبطلين فيها حتى عدلوا بتأويلها عن وجهه و صرفوه عن بابه.
أولها أن الإهلاك قد يكون حسنا و قد يكون قبيحا فإذا كان مستحقا أو على سبيل الامتحان كان حسنا و إنما يكون قبيحا إذا كان ظلما فتعلق الإرادة لا يقتضي تعلقها به على الوجه القبيح و لا ظاهر الآية يقتضي ذلك و إذا علمنا بالأدلة العقلية تنزه القديم تعالى عن القبائح علمنا أن الإرادة لم يتعلق إلا بالإهلاك الحسن و قوله تعالى أَمَرْنا مُتْرَفِيها المأمور به محذوف و ليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق و إن وقع بعده الفسق و يجري هذا مجرى قول القائل أمرته فعصى و دعوته فأبى و المراد أنني أمرته بالطاعة و دعوته إلى الإجابة و القبول و يمكن أن يقال على هذا الوجه ليس موضع الشبهة ما تكلمتم عليه و إنما موضعها أن يقال أي معنى لتقدم الإرادة فإن كانت متعلقة بإهلاك مستحق بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى إِذا أَرَدْنا ... أَمَرْنا لأن أمره بما يأمر به لا يحسن إرادته للعقاب المستحق بما تقدم من الأفعال و إن كانت الإرادة متعلقة بالإهلاك المستحق بمخالفة الأمر المذكور في الآية فهذا هو الذي تأبونه لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحق العقاب.
و الجواب عن ذلك أنه تعالى لم يعلق الإرادة إلا بالإهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب و الذي حسن قوله تعالى وَ إِذا أَرَدْنا ... أَمَرْنا هو أن في تكرر الأمر بالطاعة و الإيمان إعذارا إلى العصاة و إنذارا لهم و إيجابا و إثباتا للحجة عليهم حتى يكونوا متى خالفوا و أقاموا على العصيان و الطغيان بعد تكرر الوعيد و الوعظ و الإنذار ممن يحق عليه القول و تجب عليه الحجة و يشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و الثاني أن يكون قوله تعالى أَمَرْنا مُتْرَفِيها من صفة القرية و صلتها و لا يكون جوابا لقوله وَ إِذا أَرَدْنا و يكون تقدير الكلام و إذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها و يكون إذا على هذا الجواب لم يأت له جواب ظاهر في الآية للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه و نظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة.