تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء السادس 6 · صفحة 79 من 397
صفحة
[صفحة 65]
صَنَعُوا (1) و إنما أراد أن العصا تلقف الحبال التي أظهروا سحرهم فيها و هي التي حلتها صنعتهم و إفكهم فقال ما صَنَعُوا و ما يَأْفِكُونَ و أراد ما صنعوا فيه و ما يأفكون فيه و مثله قوله تعالى يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ (2) و إنما أراد المعمول فيه دون العمل و هذا الاستعمال أيضا سائع شائع لأنهم يقولون هذا الباب عمل النجار و في الخلخال هذا من عمل الصائغ و إن كانت الأجسام التي أشير إليها ليست أعمالا لهم و إنما عملوا فيها فحسن إجراء هذه العبارة.
فإن قيل كل الذي ذكرتموه و إن استعمل فعلى وجه المجاز و الاتساع لأن العمل في الحقيقة لا يجري إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه و إن استعير في بعض المواضع قلنا ليس نسلم لكم أن الاستعمال الذي ذكرناه على سبيل المجاز بل نقول هو المفهوم الذي لا يستفاد سواه لأن القائل إذا قال هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنه عمل فيه و ما رأينا أحدا قط يقول في الثوب بدلا من قوله هذا من عمل فلان هذا مما حله عمل فلان فالأول أولى بأن يكون حقيقة و ليس ينكر أن يكون الأصل في الحقيقة ما ذكروه ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه و صار أخص به و مما لا يستفاد من الكلام سواه كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحد و لا اعتبار بالمفهوم من الألفاظ إلا بما استقر عليه استعمالها دون ما كانت عليه في الأصل فوجب أن يكون المفهوم.
و الظاهر من الآية ما ذكرناه على أنا لو سلمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه فمن ذلك (3) أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم و التوبيخ لأفعالهم و الإزراء على مذاهبهم فقال أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و متى لم يكن قوله وَ ما تَعْمَلُونَ المراد به تعملون فيه ليصير تقدير الكلام أ تعبدون الأصنام التي تنحتونها و الله خلقكم و خلق هذه الأصنام التي تفعلون فيها التخطيط و التصوير لم يكن للكلام معنى و لا مدخل في باب التوبيخ و يصير على ما يذكره المخالف كأنه
____________
(1) طه: 69 أقول: لقف الشيء: تناوله بسرعة.
(2) سبا: 13.
(3) في الأمالي المطبوع هكذا: منها ما يشهد به ظاهر الآية و يقتضيه و لا يسوغ سواه، و منها ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية، فمن ذلك أنّه تعالى أخرج. إه.