تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الستون 60 · صفحة 207 من 389
صفحة
[صفحة 190]
أقول و قد مر بعض الكلام في بعض هذه الآيات.
و قال البيضاوي طَلْعُها أي حملها مستعار من طلع الثمر لمشاركته إياه في الشكل أو لطلوعه من الشجر كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ في تناهي القبح و الهول و هو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك و قيل الشياطين حيات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف و لعلها سميت بها لذلك (1).
و قال وَ الشَّياطِينَ عطف على الريح كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ بدل منه وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ عطف على كل كأنه فصل الشياطين إلى عمله استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء و الغوص و مردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر و لعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى و يمكن تقييدها هذا و الأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالإقران في الصفد و هو القيد (2).
و قال الرازي و هاهنا بحث و هو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة و بسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر و قدروا على الغوص في البحار و احتاج سليمان(ع)إلى قيدهم و لقائل أن يقول هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم فليجز أن يكون بحضرتنا جبال عالية و أصوات هائلة لا نراها و لا نسمعها و ذلك دخول في السفسطة فإن كان الثاني و هو أن أجسادهم ليست كثيفة بل لطيفة رقيقة فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة و أيضا لزم أن تتفرق أجسادهم و أن تتمزق بسبب الرياح القوية و أن يموتوا في الحال و ذلك يمنع وصفهم بالآلات القوية (3).
و أيضا الجن و الشياطين إن كانوا موصوفين بهذه الشدة و القوة فلم لا يقتلون العلماء و الزهاد في زماننا و لم لا يخربون ديار الناس مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنتهم و عداوتهم و حيث لا يحس شيء من ذلك علمنا أن القول بإثبات الجن و الشياطين ضعيف.
____________
(1) أنوار التنزيل 2: 326،.
(2) أنوار التنزيل 2: 346.
(3) في المصدر: و ذلك يمنع من وصفهم ببناء الابنية القوية.