تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثاني والستون 62 · صفحة 107 من 353
صفحة
[صفحة 100]
إباحة جميع ما يعده العقل طيبا و لا يجد فيه ضررا و خبثا مما يسمى رزقا لبني آدم أي ينتفع به في الأكل أصرح مما تقدم ففهم كون الأشياء على أصل الحلية منها أولى.
أقول على سياق ما قدمنا يكون الحاصل كلوا مما لم يدل دليل شرعي على تحريمه فيما رزقناكم و مكناكم من التصرف فيه أو مما لم يكن فيه جهة قبح واقعي فيرجع إلى الأول لأنه يعلم ذلك ببيان الشارع أو مما لم يكن مضرا بالنفس و البدن أو مما يستلذه الطبع المستقيم و لا يتنفر عنه إما بناء على الغالب من أنه لا يرغب إلى غير ذلك أو بناء على أن سياق الآية مشتمل على الامتنان و عمدة الامتنان به لا بما تتنفر الطباع عنه أو لمرجوحية أكل الخبائث غير المحرمة بناء على أن الأمر للإباحة الصرفة أو لرجحان التصرف في الطيبات و أكلها بناء على أن الأمر للاستحباب.
و بالجملة يشكل الاستدلال بأمثاله على تحريم ما تتنفر عنه عامة الطباع.
و قال الرازي اعلم أن الأكل قد يكون واجبا و ذلك عند دفع الضرر و قد يكون مندوبا و ذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد و ينبسط إذا سوعد فهذا مندوب و قد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض و الأصل في الشيء أن يكون خاليا عن العوارض فلا جرم كان مسمى الأكل مباحا و إذا كان الأمر كذلك كان الأمر كذلك.
ثم قال احتج الأصحاب أن الرزق قد يكون حراما بقوله مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ بأن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالا لكان المعنى كلوا من محللات ما حللنا لكم فيكون تكرارا و هو خلاف الأصل و أجابوا عنه بأن الطيب في اللغة عبارة المستلذ المستطاب و لعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم و الاستكثار من طيباتها ممنوع منه فأباح الله تعالى ذلك بقوله كلوا من لذائذ ما أحللنا لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى انتهى (1).