بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الثاني والستون 62 · صفحة 152 من 417

صفحة
و أقول استدل أكثر أصحابنا على تحريم كثير من الأشياء التي تستقذرها طباع أكثر الخلق بهذه الآية و فيه نظر إذ الظاهر من سياق الآية مدح النبي ص و شريعته بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا و إن لم نفهم طيبه و ما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا و إن لم نعلم خبثه كالطعام اللذيذ الذي عمل من مال السرقة تستلذه الطباع و هو خبيث واقعا و أكثر الأدوية التي يحتاج الناس إليها في غاية البشاعة و النكارة و تستقذرها الطباع و لم أر قائلا بتحريمها فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص و يكون موافقا لقواعد الإمامية من الحسن و القبح العقليين أولى من الحمل على معنى يحتاج إلى تخصيصات كثيرة بل ما يخرج عنهما أكثر مما يدخل فيهما


____________


(1) مجمع البيان 4: 413.


(2) جمع البرهان.


(3) مجمع البيان 4: 487.


[صفحة 127]

كما لا يخفى على من تتبع مواردهما و يمكن أن يقال هذه الآية كالصريحة في الحسن و القبح العقليين و لم يستدل بها الأصحاب رضي الله عنهم.


و قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في المسالك و الطيب يطلق على الحلال قال تعالى‏ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ‏ أي من الحلال و على الطاهر قال تعالى‏ فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1) أي طاهرا و على ما لا أذى فيه كالزمان الذي لا حر فيه و لا برد يقال هذا زمان طيب و ما تستطيبه النفس و لا تنفر منه كقوله تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ‏ (2) إذ ليس المراد منها هنا الحلال لعدم الفائدة في الجواب على تقديره لأنهم سألوه أن يبين لهم الحلال فلا يقول في الجواب الحلال و لا الطاهر لأنه إنما يعرف من الشرع توقيفا و لا ما لا أذى فيه لأن المأكول لا يوصف به فتعين المراد ردهم إلى ما يستطيبونه و لا يستخبثونه لردهم إلى عادتهم و ما هو مقرر في طباعهم و لأن ذلك هو المتبادر من معنى الطيب عرفا و في الأخبار ما ينبه عليه و المراد بالعرف الذي يرجع إليه في الاستطابة عرف الأوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي و ذوي الاضطرار من جفاة العرب فإنهم يستطيبون ما دب و درج كما سئل بعضهم مما يأكلون فقال كل ما دب و درج إلا أم جنين فقال بعضهم ليهن أم جنين العافية لكونها أمنت أن تؤكل هذا خلاصة ما قرره الشيخ في المبسوط و غيره إلا أنه فصل أولا المحلل إلى حيوان و غيره و قسم الحيوان إلى حي و غيره و قال ما كان من الحيوان حيا فهو حرام حيث لم يرد به الشرع محتجا بأن ذبح الحيوان محظور و ما كان من الحيوان غير حي أو من غيره فهو على أصل الإباحة و في استثناء الحيوان الحي من ذلك نظر لعموم الأدلة و الاستناد إلى تحريم ذبحه بدون الشرع في حيز المنع فهذا هو الأصل الذي يرجع إليه في باب الأطعمة انتهى‏ (3).

التالي ص 152/417 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...