تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الانوار الجزء الرابع والستون 64 · صفحة 95 من 424
صفحة
[صفحة 81]
و إنما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنها مركّبة من هذه و من هذه لتعلّقهم بهذه الأبدان العنصرية أيضا ما داموا فيها و سجين أخس المراتب و أبعدها من الله سبحانه فيشبه أن يراد به حقيقة الدنيا و باطنها التي هي مخبوءة تحت عالم الملك أعني هذا العالم العنصري فإن الأرواح مسجونة فيه و لهذا ورد في الحديث
مُوَلِّيها» الآية. و قال: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» الآية:
فأفاد أن للإنسان غاية و نهاية من السعادة و الشقاء، و هو متوجه إليها، سائر نحوها و قال تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» الآية.
فأفاد أن ما ينتهى إليه أمر الإنسان من السعادة و الشقاء هو ما كان عليه في بدء خلقه طينا، فهذه الطينة طينة سعادة و طينة شقاء، و آخر السعيد الى الجنة، و آخر الشقى الى النار، فهما أو لهما لكون الآخر هو الأول، و حينئذ صح أن السعداء خلقوا من طينة الجنة و الاشقياء خلقوا من طينة النار.
و قال تعالى: «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ... كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الآيات و هي تشعر بأن عليين و سجين هما ما ينتهى إليه أمر الابرار و الفجار من النعمة و العذاب فافهم.
و اما البحث الثاني و هو ان اخبار الطينة تستلزم أن تكون السعادة و الشقاء لازمين حتميين للإنسان، و معه لا يكون أحدهما اختياريا كسبيا للإنسان و هو الجبر الباطل.
فالجواب عنه أن اقتضاء الطينة للسعادة أو الشقاء ليس من قبل نفسها بل من قبل حكمه تعالى و قضائه ما قضى من سعادة و شقاء، فيرجع الاشكال الى سبق قضاء السعادة الشقاء في حقّ الإنسان قبل أن يخلق، و أن ذلك يستلزم الجبر، و الجواب أن القضاء متعلق بصدور الفعل عن اختيار العبد، فهو فعل اختيارى في عين أنّه حتمى الوقوع، و لم يتعلق بالفعل سواء اختاره العبد أو لم يختره حتّى يلزم منه بطلان الاختيار.