تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الاول 1 · صفحة 109 من 260
صفحة
[صفحة 100]
و الذي (1) ظهر لنا من تتبع الأخبار المنتمية إلى الأئمة الأبرار (سلام الله عليهم) هو أن الله خلق في كل شخص من أشخاص المكلفين قوة و استعداد إدراك الأمور من المضار و المنافع و غيرها على اختلاف كثير بينهم فيها و أقل درجاتها مناط التكليف و بها يتميز عن المجانين و باختلاف درجاتها تتفاوت التكاليف فكلما كانت هذه القوة أكمل كانت التكاليف أشق و أكثر و تكمل هذه القوة في كل شخص بحسب استعداده بالعلم و العمل فكلما سعى في تحصيل ما ينفعه من العلوم الحقة و عمل بها تقوى تلك القوة ثم العلوم تتفاوت في مراتب النقص و الكمال و كلما ازدادت قوة تكثر آثارها و تحث صاحبها بحسب قوتها على العمل بها فأكثر الناس علمهم بالمبدأ و المعاد و سائر أركان الإيمان علم تصوري يسمونه تصديقا و في بعضهم تصديق ظني و في بعضهم تصديق اضطراري فلذا لا يعملون بما يدعون فإذا كمل العلم و بلغ درجة اليقين يظهر آثاره على صاحبه كل حين و سيأتي تمام تحقيق ذلك في كتاب الإيمان و الكفر إن شاء الله تعالى.
الثالث القوة التي يستعملها الناس في نظام أمور معاشهم فإن وافقت قانون الشرع و استعملت فيما استحسنه الشارع تسمى بعقل المعاش و هو ممدوح في الأخبار و مغايرته لما قد مر بنوع من الاعتبار و إذا استعملت في الأمور الباطلة و الحيل الفاسدة تسمى بالنكراء و الشيطنة في لسان الشرع و منهم من أثبت لذلك قوة أخرى و هو غير معلوم.
____________
(1) الذي يذكره (رحمه الله ) من معاني العقل بدعوى كونها مصطلحات معاني العقل لا ينطبق الا على ما اصطلح عليه أهل البحث، و لا ما يراه عامة الناس من غيرهم على ما لا يخفى على الخبير الوارد في هذه الأبحاث، و الذي اوقعه فيما وقع فيه امران: احدهما سوء الظنّ بالباحثين في المعارف العقليّة من طريق العقل و البرهان. و ثانيهما: الطريق الذي سلكه في فهم معاني الأخبار حيث اخذ الجميع في مرتبة واحدة من البيان و هي التي ينالها عامة الافهام و هي المنزلة التي نزل فيها معظم الاخبار المجيبة لاسئلة أكثر السائلين عنهم (عليهم السلام)، مع ان في الاخبار غررا تشير الى حقائق لا ينالها الا الافهام العالية و العقول الخالصة، فاوجب ذلك اختلاط المعارف الفائضة عنهم (عليهم السلام) و فساد البيانات العالية بنزولها منزلة ليست هي منزلتها، و فساد البيانات الساذجة أيضا لفقدها تميزها و تعينها، فما كل سائل من الرواة في سطح واحد من الفهم، و ما كلّ حقيقة في سطح واحد من الدقة و اللطافة: و الكتاب و السنة مشحونان بان معارف الدين ذوات مراتب مختلفة، و ان لكلّ مرتبة اهلا، و ان في الغاء المراتب هلاك المعارف الحقيقية. ط.