بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثالث 3 · الصفحة الأصلية 142 / داخلي 142 من 341

[صفحة 142]

الْقِيَاسِ الْقَائِمِ فَكَانَ الصَّالِحُ هُوَ الْمَرْزُوقَ وَ الطَّالِحُ هُوَ الْمَحْرُومَ وَ كَانَ الْقَوِيُّ يُمْنَعُ مِنْ ظُلْمِ الضَّعِيفِ وَ الْمُتَهَتِّكُ لِلْمَحَارِمِ يُعَاجَلُ بِالْعُقُوبَةِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ إِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ هَكَذَا لَذَهَبَ مَوْضِعُ الْإِحْسَانِ الَّذِي فُضِّلَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَ حَمْلِ النَّفْسِ عَلَى الْبِرِّ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ احْتِسَاباً لِلثَّوَابِ وَ ثِقَةً بِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنْهُ وَ لَصَارَ النَّاسُ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَابِّ الَّتِي تُسَاسُ‏ (1) بِالْعَصَا وَ الْعَلَفِ وَ يُلْمَعُ لَهَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَاعَةً فَسَاعَةً فَتَسْتَقِيمُ عَلَى ذَلِكَ وَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْمَلُ عَلَى يَقِينٍ بِثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ حَتَّى كَانَ هَذَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ حَدِّ الْإِنْسِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهَائِمِ ثُمَّ لَا يَعْرِفُ مَا غَابَ وَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا عَلَى الْحَاضِرِ وَ كَانَ يَحْدُثُ مِنْ هَذَا أَيْضاً أَنْ يَكُونَ الصَّالِحُ إِنَّمَا يَعْمَلُ الصَّالِحَاتِ لِلرِّزْقِ وَ السَّعَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَ يَكُونَ الْمُمْتَنِعُ مِنَ الظُّلْمِ وَ الْفَوَاحِشِ إِنَّمَا يَعِفُّ عَنْ ذَلِكَ لِتَرَقُّبِ عُقُوبَةٍ تَنْزِلُ بِهِ مِنْ سَاعَتِهِ حَتَّى يَكُونَ أَفْعَالُ النَّاسِ كُلُّهَا تَجْرِي عَلَى الْحَاضِرِ لَا يَشُوبُهَا شَيْ‏ءٌ مِنَ الْيَقِينِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ وَ النَّعِيمَ الدَّائِمَ فِيهَا مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّاعِنُ مِنَ الْغِنَى وَ الْفَقْرِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْبَلَاءِ لَيْسَتْ بِجَارِيَةٍ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِهِ بَلْ قَدْ تَجْرِي عَلَى ذَلِكَ أَحْيَاناً وَ الْأَمْرُ الْمَفْهُومُ فَقَدْ تَرَى كَثِيراً مِنَ الصَّالِحِينَ يُرْزَقُونَ الْمَالَ لِضُرُوبٍ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ كَيْلَا يَسْبِقَ إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمُ الْمَرْزُوقُونَ وَ الْأَبْرَارَ هُمُ الْمَحْرُومُونَ فيؤثرون [فَيُؤْثِرُوا الْفِسْقَ عَلَى الصَّلَاحِ وَ تَرَى كَثِيراً مِنَ الْفُسَّاقِ يُعَاجَلُونَ بِالْعُقُوبَةِ إِذَا تَفَاقَمَ طُغْيَانُهُمْ وَ عَظُمَ ضَرَرُهُمْ عَلَى النَّاسِ وَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا عُوجِلَ فِرْعَوْنُ بِالْغَرَقِ وَ بُخْتَنَصَّرُ بِالتِّيهِ وَ بُلْبَيْسُ بِالْقَتْلِ وَ إِنْ أُمْهِلَ بَعْضُ الْأَشْرَارِ بِالْعُقُوبَةِ وَ أُخِّرَ بَعْضُ الْأَخْيَارِ بِالثَّوَابِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ لِأَسْبَابٍ تَخْفَى عَلَى الْعِبَادِ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا يُبْطِلُ التَّدْبِيرَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَكُونُ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَ لَا يُبْطِلُ تَدْبِيرَهُمْ بَلْ يَكُونُ تَأْخِيرُهُمْ مَا أَخَّرُوهُ أَوْ تَعْجِيلُهُمْ مَا عَجَّلُوهُ دَاخِلًا فِي صَوَابِ الرَّأْيِ وَ التَّدْبِيرِ وَ إِذَا كَانَتِ الشَّوَاهِدُ تَشْهَدُ وَ قِيَاسُهُمْ يُوجِبُ أَنَّ لِلْأَشْيَاءِ خَالِقاً حَكِيماً قَادِراً فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُدَبِّرَ خَلْقَهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي قِيَاسِهِمْ أَنْ يَكُونَ الصَّانِعُ يُهْمِلُ صَنَعْتَهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ إِمَّا عَجْزٍ وَ إِمَّا جَهْلٍ وَ إِمَّا شَرَارَةٍ وَ كُلُّ هَذِهِ مُحَالٌ فِي صَنَعْتِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏


____________

(1) ساس الدواب أي قام عليها و راضها.

التالي الأصلية 142داخلي 142/341 السابق

الفهرس الذكي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...