تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع 4 · صفحة 159 من 458
صفحة
[صفحة 127]
الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد و ظرف التدريج و التعاقب و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه من وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاء
____________
البداء، و قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ما بدا للّه في شيء كما بدا له في إسماعيل» فانما أراد به ما ظهر من اللّه تعالى فيه من دفاع القتل عنه و قد كان مخوفا عليه من ذلك، مظنونا به فلطف له في دفعه عنه، و قد جاء الخبر بذلك عن الصادق (عليه السلام) فروى عنه (عليه السلام) أنّه قال: «ان القتل قد كتب على إسماعيل مرتين فسألت اللّه في دفعه عنه فدفعه» و قد يكون الشيء مكتوبا بشرط فيتغير الحال فيه، قال اللّه تعالى: «ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» فتبيّن أن الآجال على ضربين: ضرب منها مشترط يصحّ فيه الزيادة و النقصان، ألا ترى الى قوله تعالى: «وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ» و قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ» فبين أن آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر و الانقطاع بالفسوق، و قال تعالى- فيما خبر به عن نوح (عليه السلام) في خطابه لقومه-: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» الى آخر الآيات، فاشترط لهم في مد الأجل و سبوغ النعم الاستغفار، فلما لم يفعلوه قطع آجالهم و بتر أعمارهم و استأصلهم بالعذاب؛ فالبداء من اللّه تعالى يختص ما كان مشترطا في التقدير، و ليس هو الانتقال من عزيمة الى عزيمة، و لا من تعقب الرأى- تعالى اللّه عما يقول المبطلون علوا كبيرا-.
و قد قال بعض أصحابنا: ان لفظ البداء اطلق في أصل اللغة على تعقب الرأى و الانتقال من عزيمة الى عزيمة، و انما اطلق على اللّه تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب و الرضا مجازا غير حقيقة، و ان هذا القول لم يضر بالمذهب، اذ المجاز من القول يطلق على اللّه تعالى فيما ورد به السمع، و قد ورد السمع بالبداء على ما بينا. و الذي اعتمدناه في معنى البداء انه الظهور على ما قدمت القول في معناه، فهو خاصّ فيما يظهر من الفعل الذي كان وقوعه يبعد في النظر (الظنّ خ ل) دون المعتاد، اذ لو كان في كل واقع من أفعال اللّه تعالى لكان اللّه تعالى موصوفا بالبداء في كل أفعاله و ذلك باطل بالاتفاق. انتهى كلامه.
أقول: انما أطلنا الكلام في نقل الأقوال حتّى يتضح جلية الحال في هذه المرغمة و الفرية الشائنة، و ترى الباحث أن أقوال الشيعة التي تعرب عن معتقداتهم قديما و حديثا تكذب ما عزاه المخالفون الينا، و أنهم لم يلتزموا بالصدق و الأمانة فيما يكتب عن الشيعة بل التزموا بضدها و لم يتركون قوس افكهم منزعا لم يرموا بها الشيعة، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا و اللّه خبير بما يعملون.