بيان لعل المراد أن المشية إنما هي مما خلقها الله في العبد و جعله شائيا فلا يشاؤن إلا بعد أن جعلهم الله بحيث يقدرون على المشية أو أن المشية المستقلة التي لا يعارضها شيء إنما هي لله تعالى و أما مشية العباد فهي مشوبة بالعجز يمكن أن يصرفهم الله تعالى عنها إذا شاء فهم لا يشاءون إلا بعد أن يهيئ الله لهم أسباب الفعل و لم يصرفهم عن مشيتهم فالمعنى أن المشية المستقلة إليه تعالى أو أن أسباب المشية و نفوذها بقدرته تعالى.
و في الآية وجه آخر ذكر في الخبر السابق و حاصله أن الله تعالى بعد أكمل أولياءه و حججه(ع)لا يشاءون شيئا إلا بعد أن يلهمهم الله تعالى و يلقي المشية في قلوبهم فهو المتصرف في قلوبهم و أبدانهم و المسدد لهم في جميع أحوالهم فالآية خاصة غير عامة و قال الطبرسي (رحمه الله ) فيه أقوال أحدها أن معناه و ما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله ذلك من قبل حيث خلقكم لها و كلفكم بها فمشيته تعالى بين يدي مشيتكم.
و ثانيها أنه خطاب للكفار و المراد لا تشاءون الإسلام إلا أن يشاء الله أن يجبركم عليه و يلجئكم إليه و لكنه لا يفعل لأنه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب.
و ثالثها أن المراد و ما تشاءون إلا أن يشاء الله أن يلطف لكم في الاستقامة (1).
____________
(1) قال الشيخ في التبيان: أى و ليس يشاءون شيئا من العمل بطاعته و بما يرضاه و يوصلكم إلى ثوابه إلّا و اللّه يشاؤه و يريده، لانه يريد من عباده أن يطيعوه، و ليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصى و المباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح و لا المباح، لان ذلك صفة نقص و تعالى اللّه عن ذلك و قد قال اللّه تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» و المعصية و الكفر من أعظم العسر، فكيف يكون اللّه تعالى شائيا له؟ و هل ذلك إلّا تناقض ظاهر؟ انتهى.